في معنى قولِهِ تعالى “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ”

نقرأ في سورة البقرة أنَّ اللهَ تعالى قد وصفَ قرآنَه العظيم بما فصَّلته وبيَّنته الآية الكريمة 97 منها (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)”، فما الذي تقصدُ إليه العبارة القرآنية الجليلة “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” في هذه الآية الكريمة؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ حقيقةً من جملةِ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من حقائق. فالقرآنُ العظيم قد نزَّلهُ اللهُ على سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مؤيَّداً بشهادةٍ من عندهِ تعالى بأنه مُنزَّلٌ منه حقاً. ولم يكتفِ اللهُ تعالى بشهادته هو ولكنَّه عزّزَ ذلك بشهادةٍ أخرى تكفَّلت بها كتبُهُ التي سبقَ وأن أنزلَها على مَن جاءَ بها من عنده من أنبياءَ مرسلين. فالقرآنُ العظيم قد أنزلَه اللهُ مصدِّقاً لما بين يديه من كتاب. وهذا هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِنا ما جاءتنا به آياتٌ قرآنيةٌ كريمة كثيرة، منها: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (43 الرعد)، (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (196- 197 الشعراء).
فالذي جاء به القرآنُ العظيم من علمٍ إلهي يُصدِّقُ ما وردَ في كتبِ الأولين من علمٍ إلهي. وهذا التصديقُ هو شهادةٌ بإلهيةِ هذا القرآن (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (29- 30 الأحقاف).
فالتوراةُ والإنجيلُ كانا من بين ما كان بين يدَي القرآنِ العظيم من كتابٍ جاء هذا القرآنُ مُصدِّقاً له (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) (من 48 المائدة). فأهلُ الكتابِ كانوا على درايةٍ تامة بأنَّ القرآنَ العظيم كان مُنزَلاً من عندِ اللهِ الذي سبقَ وأن أنزلَ التوراةَ والإنجيل. ولقد كان معلوماً عند أهلِ الكتابِ أنَّ مَن تنزَّلَ عليه هذا القرآن هو “النبي الأمي” الذي سبق وأن أنبأتهم التوراةُ والإنجيلُ بميقاتِ قدومِهِ وبصفاتِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (من 157 الأعراف).
إذاً فلقد أنزلَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم مُصدِّقاً لما بين يدَي هذا القرآن من توراةٍ وإنجيل جعلَهما اللهُ بدورِهما مُصدِّقَين له. فكتبُ اللهِ كلُّها جميعاً يُصدِّقُ الواحدُ منها الآخر. فالقرآنُ يشهدُ للتوراةِ والإنجيل بأنهما من عندِ اللهِ شهادتَهما له بأنه هو الآخر من عند الله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s