في معنى قوله تعالى “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء”

انتهيتُ في منشورٍ سابق إلى أنَّ العلمَ الذي أشارت إليه الآية الكريمة 85 من سورة الإسراء، والذي وصَّفته بأننا لم نؤتَ منه إلا قليلاً، إنما هو علمُ الله الذي أذِنَ لقرآنِه العظيم بأن يأتيَنا بقبسٍ منه (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). فعقلُ الإنسانِ المحدود لا طاقةَ له على الإطلاق بأن يُحيطَ بكامل علم الله اللامحدود. فلم يرِد في القرآنِ العظيم ما من شأنِهِ أن يُستدَلَّ به على أنَّ هذا القرآن قد اشتملَ على كلِّ علمِ الله! فلقد أنبأنا اللهُ في قرآنِه العظيم بما شاءَ لنا أن نُحيطَ به من “أنباءِ الغيب”، و”أنباءِ القرى”، و”أنباءِ ما قد سبق” و”أنباءِ الأولين”، و”أنباءِ الآخِرِين”. ولا ينبغي أن يغيبَ عن البال أنَّ اللهَ تعالى أنبأَ رسولَه الكريم في قرآنِه العظيم بأن هنالك من الرُّسُل ما لم يقصص قَصَصهم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. فكيف لنا إذاً أن نتدبَّرَ العبارةَ القرآنية الكريمة “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (من 89 النحل)؟
بدايةً لابد لنا من أن نستعينَ على تدبُّرِ هذه العبارةِ الجليلة بأن نستذكرَ ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (من 145 الأعراف). فهل يُعقَلُ أن يدفعَ بنا المعنى، الذي نظنُّ أن هذه الآيةَ الكريمة تنطوي عليه، إلى القولِ بأنَّ ألواحَ سيدِنا موسى عليه السلام قد كتبَ اللهُ تعالى له فيها “كل شيء”، وذلك بالمعنى الحرفي للكلمة؟! إنَّ اضطرارَنا إلى الإجابةِ على هذا السؤال بالنفي وجوباً سوف يجعلُ منا مُلزَمينَ بأن نقولَ بأنَّ “كلَّ شيءِ” هنا تعني “كل شيءٍ يحتاجه العابدُ ليتبيَّنَ حلالَ اللهِ وحرامَه وما ينبغي عليه أن يلزمَه من العباداتِ وما يتوجَّبُ عليه أن يُقيِّدَ نفسَه به من قيودٍ تكفلُ له ألا يتجاوزَ حدودَ اللهِ فيتعداها”.
وهذا هو عينُ ما تقصدَ إليه الآية الكريمة 89 النحل أعلاه؛ فاللهُ نزَّل قرآنَه العظيم تبياناً لكلِّ شيءٍ يحتاجُ إليه عبادُه حتى يكونَ بمقدورِ الواحدِ منهم أن يتَّبعَ شريعتَه تعالى منضبطاً بضوابِطِها ومحدِّداً سلوكَه بما تشتملُ عليه من مُحدِّداتٍ وضوابطَ يتبيَّنُ له بمقتضاها الحلالُ والحرامُ وحدودُ اللهِ التي لابد أن يُراعيَها حتى لا يكونَ من الخاسرينَ في الدنيا والآخرة. وبذلك فإن بالإمكانِ إيجازُ المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآية الكريمة بالكلماتِ التالية: “ونزَّلنا عليكَ يا محمد هذا القرآنَ تبياناً لكلِّ شيءٍ يحتاجُ إليه عبادي حتى يصلوا به إليَّ فيسعدوا في الدنيا والآخرة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s