في معنى قوله تعالى “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”

جاءتنا سورةُ الإسراء بتوصيفٍ لما أُوتيناهُ من العلم، وذلك في الآية الكريمة 85 منها (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). فما هو هذا العلمُ الذي لم نؤتَ منه إلا قليلاً؟!
يُصِرُّ كثيرٌ منا على الظنِّ بأنَّ هذا العلمَ ما هو إلا ما قُدِّرَ لنا أن نُحيطَ به من معرفةٍ بظواهرِ الوجودِ وحقائقِهِ، وذلك بوساطةٍ من “إعمالِ العقل وتحكيمِ الفكر”. وبالتالي فإنَّ ما سنصِلُ إليه من معرفةٍ بالوجودِ، اعتماداً منا على هذا العقلِ المحدود خِلقةً وجِبلة، لابد وأن يكونَ محدوداً هو الآخر. وعلى الرغمِ من وجاهةِ هذا الظن، إلا أن ذلك لا يلزمُ عنهُ بالضرورة وجوبُ أن نأخذَ به على أنه حقيقةٌ لا يُمارى فيها. فالأصلُ هو أن نتدبَّرَ القرآنَ العظيم حتى نتبيَّنَ ما تنطوي عليه آياتُه الكريمة من معنى لا ينبغي أن نُبالغَ ونُغاليَ فنُحمِّلَه ما ليس بمشتملٍ عليه. فتدبُّرُ الآيةِ الكريمة 85 من سورة الإسراء يقتضي منا وجوبَ أن نستذكرَ آياتٍ قرآنيةً كريمة من مثل: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (44 آل عمران)، (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين) (49 هود)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (102 يوسف)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيد) (100 هود)، (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (99 طه)، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (من 78 غافر).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة أنَّ العلمَ الذي لم نؤتَ منه إلا قليلا هو ما جاءنا به القرآنُ العظيم من علم. فهذا العلمُ، وإن كان قد جاءنا بما لم نكن نعلمه من قبله، فإنه لم يأتِنا بكلِّ ما عند اللهِ تعالى من علم! وهذا أمرٌ ينبغي أن يكونَ بديهياً بالضرورة؛ إذ كيف لمخلوقٍ أن يكونَ بمقدورِهِ أن يُحيطَ بكلِّ علمِ خالقِه؟!
إذاً فالعلمُ الذي لم نؤتَ منه إلا قليلاً هو ليس ذلك الذي قُدِّرَ لعقولِنا أن تُحيطَ به بتدبُّرِنا ما قُيِّضَ لنا أن نُحيطَ به من ظواهرِ الوجود، ولكنه علمُ اللهِ. وبذلك فإنَّ بالإمكانِ إيجازُ المعنى الذي تنطوي عليه العبارةُ القرآنيةُ الجليلة “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” بالكلمات التالية: “وما أوتيتُم من علمِ اللهِ إلا قليلاً”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s