سرُّ الله وأضعفُ خَلقِهِ

جرى على لسانِ العرب قولٌ مفادُه أنَّ اللهَ “يضعُ سرَّهُ في أضعفِ خَلقِه”. فمن هو أضعفُ خَلقِ الله، والذي قُدِّرَ له بمقتضى هذا القول أن يكون موضِعَ سِرِّ الله؟
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ هذا القولَ عامٌ في حقِّ كلِّ مخلوقٍ ضعيف، وأنَّ المُرادَ بهذا القول هو أن ينتصحَ المرءُ بما يشتملُ عليهِ من حكمةٍ بالغةٍ تُحذِّرُهُ حتى لا يتوهَّمَ أنَّ هذا المخلوقَ الضعيفَ أو ذاك ليس بقادرٍ على أن يَقهرَ بإذنِ اللهِ مَن هو يفوقُهُ قوةً طالما كان اللهُ قد وضعَ فيه سرَّه. وهذا في ظني ليس هو ما قصدَ إليه مَن وفَّقَه اللهُ تعالى لصياغةِ هذا القول الحكيم. فالظنُّ عندي هو أنَّ هذا القولَ يخصُّ، وعلى وجه التحديد، الإنسانَ ولا أحدَ آخرَ غيرَ الإنسان! فالإنسانُ، كما جاء في القرآنِ العظيم، قد خُلِقَ ضعيفاً (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). كما أن الإنسانَ الضعيفَ هذا، خِلقةً وجِبلة، قد جاءنا بشأنِه قرآنُ اللهِ العظيم بما من شأنِه أن يجعلَنا لا نقصِرُ نظرتَنا إليه على خِلقتِه الضعيفةِ هذه! فاللهُ تعالى خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم خِلقةً متمايزةً عن كلِّ خَلقٍ آخرَ له. ومكمنُ سرِّ هذه الخلقةِ الفريدةِ الاستثنائيةِ التي شرَّفَ اللهُ بها الإنسانَ أنه تعالى كان قد نفخَ في سيدِنا آدمَ من روحِه نفخةً علَت بشأنِهِ فجعلته ذا سرٍّ ذي صلةٍ بهذا الذي كان اللهُ قد أودعَه فيه من تجلياتِ قولِهِ له “كن فيكون”.
فإذا كان سيدُنا آدم قد خُلِقَ في أحسنِ تقويم، فإنَّ خِلقتَه المتفردةَ هذه ما كان له أن يتشرَّفَ بها لولا ما أودعَهُ اللهُ فيهِ من سرِّه. وبذلك فإنَّ قولَ العربِ الحكيمَ هذا إنما يُذكِّرُ كلَّ إنسانٍ منا بما هو قادرٌ على أن يسموَ به فيرتقيَ بعيداً عن خِلقتِهِ الضعيفة إلى مصاف وآفاق تُذكِّرُ بما كان ينبغي أن يكونَ عليه كلُّ واحدٍ منا: إنساناً في أحسنِ تقويم! وما السبيلُ إلى هذا “الارتقاء” من خِلقةٍ ضعيفةٍ أصبحَ بها الإنسانُ أضعفَ خَلقِ اللهِ إلى إنسانٍ في أحسنِ تقويم، إلا بأن يُحقِّقَ الواحدُ منا ما نصَّت عليه سورةُ التين، أي بأن يكونَ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (4- 6 التين).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s