تسلُّطُ “كن فيكون” على قوانينِ الوجودِ وأسبابِه

بيَّنَ اللهُ للناسِ في قرآنِهِ العظيم أنَّه ذو قدرةٍ مطلقةٍ فلا يستطيعُ مخلوقٌ أن يقفَ في وجهِها ليحولَ دون أن يتحقَّقَ بها مرادُه تعالى. فقدرةُ اللهِ متسلِّطةٌ على ما سبقَ له وأن خلَقه من أسبابٍ وقوانينَ لم يكن للوجودِ أن تقومَ له قائمةٌ دون تسلُّطِها بإذنِه تعالى عليه. وبذلك فليس هناك في السمواتِ والأرض ما بمقدورِهِ أن يُعجِزَ اللهَ فيحولَ دون أن يُمضِيَ اللهُ مشيئتَه ويُحقِّقَ مرادَه (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (من 44 فاطر).
إلا أنَّ العقلَ البشري قد جُبِلَ على أن يحكُمَ على ما لا يعلم بما تأتى له أن يحيطَ به من علم! وبذلك قطعَ هذا العقلُ باستحالةِ حدوثِ ما يتعارضُ مع ما تسنَّى له أن يقعَ عليه من أسبابٍ وقوانينَ بثَّها اللهُ في الوجودِ ليُسيِّرَ بها أمورَه ويُنظِّمَ بها شؤونُه.
وهكذا جزمَ عقلُ الإنسانِ بأنَّ بعثَ الموتى مستحيلٌ، وأنَّ الآخرةَ لا يُمكنُ لها أن تكونَ حقيقة، وأنَّ ليس لبشرٍ أن يولَدَ إلا من أبوين ذكرٍ وأنثى. فكلُّ هذا الذي قطعَ به العقلُ البشري إنما يستندُ إلى ما تقولُ به أسبابُ وقوانينُ هذا الوجود؛ هذه الأسبابُ والقوانينُ التي ظنَّ هذا العقلُ وتوهَّمَ أنها كلُّ ما هنالك، وأن ليس هناك مَن بمقدوره أن يتسلَّطَ عليها بأمره ويُمضيَ رغماً عنها إرادته، ويُحقِّقَ من دونِها مراده! ولذلك فلقد فنَّدَ اللهُ في قرآنِه العظيم، ودحضَ، هذه الظنون مُبيِّناً أنَّه تعالى قادرٌ على أن يفعلَ ما يشاء حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع هذه القوانين والأسباب التي خُيِّلَ للعقلِ البشري أن ليس هناك مَن بمقدورِه أن يتسلَّط عليها أبداً! فالأمرُ لا يقتضي من اللهِ تعالى غيرَ أن يقولَ للشيءِ إذا أراده “كن” فيكون، وإن اجتمعت أسبابُ وقوانينُ الوجودِ كلُّها جميعاً على الحكم باستحالةِ تحقُّقِ ذلك!
فإذا كانت قوانينُ وأسبابُ هذا الوجودِ تتعارضُ مع بعثِ الموتى، فلقد بيَّنَ القرآنُ العظيم أنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يبعثَ الموتى يومَ القيامة، وأنَّ الأمرَ لا يقتضي منه غيرَ أن يقولَ “كن فيكون” (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (38 و40 النحل)،
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (77- 82 يس).
وكذلك فإنَّ تعارُضَ أسبابِ وقوانينَ الوجودِ مع حملِ الأنثى دون أن يمسسها بشر لا ينبغي للعقلِ البشري أن يتذرَّعَ به حجةً تُسوِّغُ للقولِ باستحالةِ تحقُّقِ ذلك. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يخلقَ بشراً من أنثى فحسب، وذلك بأن يقولَ له “كن فيكون”: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (47 آل عمران).
يتبيَّنُ لنا إذاً أن الأمرَ ليس للإنسانِ حتى يقطعَ بعقلِهِ بأن هذا أو ذاك من الوقائعِ والظواهرِ والأحداث مستحيل الحدوث، وذلك لمجرد التعارُضِ مع ما قُدِّرَ لهذا العقل أن يُحيطَ به من قوانينَ هذا الوجودِ وأسبابه! فالإيمانُ باللهِ تعالى يقتضي من العقلِ المؤمنِ أن يقولَ بقدرةِ اللهِ المطلقة التي لا ينبغي أن تُحدِّدَها أسبابٌ أو قوانين طالما كان اللهُ إذا أرادَ شيئاً فإنما يقولُ له “كن فيكون”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s