في معنى كلمة “دابة” في القرآن العظيم

خلقَ اللهُ تعالى الأرضَ بنباتِها وحيوانِها، وذلك قبل أن يخلقَ إنسانَها (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة). ويُشيرُ القرآنُ العظيم إلى الحيوان بكلمة “دابة”، وفي هذا ما فيه من تدليلٍ على وثيقِ صلةِ الحيوان بالأرض التي “يدبُّ” عليها. ولقد وردَت في القرآنِ العظيم آياتٌ كريمةٌ كثيرة يتبيَّنُ لمُتدبِّرها أنَّ المقصودَ بكلمة “دابة” هو الحيوان فحسب: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38 الأنعام)، (َمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (6 هود)، (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) (من 56 هود)، (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (60 العنكبوت)، (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) (من 10 لقمان)، (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (4 الجاثية).
ويُخطِئُ البعضُ منا إذ يظنُّ أن كلمة “دابة” في القرآنِ العظيم تشيرُ إلى الإنسانِ إشارتَها إلى الحيوان! ولعل واحداً من الأسبابِ التي تقف من وراء هذا الاعتقاد الخاطئ هو ما يمكن تبيُّنُه إذا ما نحن قرأنا الآيةَ الكريمة 45 من سورة النور “دونما تدبُّرٍ” (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فهذه الآيةُ الكريمة إذ تذكرُ من حيوانِ الأرضِ مَن يمشي على رجلين اثنين، فإنها لا تُشيرُ على الإطلاق إلى الإنسان!
وتقفُ قراءةٌ لآيتين أُخريَين، تفتقرُ هي الأخرى إلى التدبُّرِ الذي أُمرنا به، من وراء تعزيزِ هذا الاعتقاد بأن كلمة “دابة” في القرآن العظيم تشيرُ إلى الإنسانِ أيضاً: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) (45 فاطر)، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (61 النحل).
إنَّ جُلَّ ما يقتضيه الأمرُ حتى نُمكَّنَ من القرآنِ العظيم تدبُّراً لآياتِه الكريمة هو أن نقرأها بتأنٍّ وبتروٍّ وبتمهُّل دون أن يُخالِطَ قراءَتنا تسرُّعٌ أو تعجُّل. فلو أنَّنا قرأنا كلَّ آيةٍ قرآنيةٍ كريمةٍ وردَ فيها ذكرُ كلمة “دابة” بهكذا تدبُّر لتبيَّنَ لنا أنَّ إصرارَنا على أنَّ هذه الكلمةَ القرآنيةَ الجليلة تُشيرُ إلى الإنسان إشارتَها إلى الحيوان لا يمتُّ بِصِلةٍ إلى الحقيقة، ولكنه دليلٌ على ما لتصوراتِنا المُسبَقة من عظيمِ تأثيرٍ سلبي على قرائتِنا لآياتِ القرآنِ العظيم “القراءةَ الصحيحة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s