لماذا كلَّم عيسى ابنُ مريم قومَ والدِته وهو بعدُ في المهدِ صبيٌّ؟

ما كان اللهُ ليذرَ السيدة مريم تواجهُ قومَها بمفردِها وقد أتتهم بصبي تحمله فيكونُ مصيرُها مصيرَ مَن فعلت ما ظنَّه بها القومُ والذي بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين التاليتين: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (27 -28 مريم). فالقومُ ما كانوا ليدَعوها عليها السلام دون أن يُنزِلوا بها أشدَّ العذاب. ولذلك كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يُظهِرَ براءَتها وأن يُخرِسَ ألسنةَ المتطاولين على عِفَّتها، فكان أن أنطقَ المسيحَ إبنها وهو لما يزل بعدُ في المهدِ صبياً! (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُون) (29 -34 مريم)
وبذلك تأتى للسيدة مريم أن تبرهِنَ على طهارتِها، وذلك على لسانِ إبنها المسيح عيسى ابن مريم. فلقد تبيَّنَ القومُ أنَّ حملَ السيدة مريم بابنِها عيسى كان معجزةً لا تقلُّ إعجازاً عن تكلُّمِه عليه السلام وهو بعدُ طفلٌ رضيع! فالذي جعلَ عيسى يتكلمُ في المهدِ صبياً قادرٌ على أن يجعلها تحملُ به دون أن يمسسها بشر! إنَّ في حملِ السيدة مريم بإبنها عيسى دون أن يمسَسها بشرٌ ما هو كفيلٌ بأن يكونَ برهاناً على أن اللهَ متسلطٌ على الوجودِ تسلُّطاً لا قدرةَ لقوانينِ هذا الوجودِ وأسبابِه على أن تحولَ دونَ أن يفعلَ فيه اللهُ تعالى ما تشاءُ إرادتُه وتقضي مشيئتُه.
وهذا هو عينُ ما بإمكانِنا أن نخلصَ إليه بتدبُّرِنا معجزةَ تكلُّمِ المسيحِ وهو بعدُ طفلٌ رضيع. فهذا “التكلُّمُ المعجِز” لَيتعارضُ مع كلِّ ما يؤمنُ به العلمُ من قوانين، ولَيبرهنُ في الوقتِ ذاتِه على أنَّ “تسلُّطَ” اللهِ تعالى على الوجودِ، قوانينَ وأسباباً، هو حقٌّ لا يُماري فيه إلا مَن لم يتدبَّر ما جاء به القرآنُ العظيم من كثيرٍ من الآياتِ الكريمة التي تقطعُ بأنَّ اللهَ تعالى مُتسلِّطٌ على الوجودِ متعالٍ على أسبابِه وقوانينِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s