في معنى قوله تعالى “مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ”

يظنُّ البعضُ من المنبهرين بالعلم أنَّ بالإمكانِ التوفيقَ بين العلمِ والدين، وأنَّ هذا أمرٌ يسير طالما كان الوجودُ قائماً بأسباب وقوانين خلقَها اللهُ وهو بالتالي قادرٌ على أن يعطِّلَ ما شاء منها حتى يتحقَّقَ له ما يريد وذلك إن كان في مرادِ اللهِ هذا ما قد يتعارضُ مع هذه الأسباب والقوانين!
لقد حدد هؤلاء قدرةَ اللهِ تعالى فجعلوها تقتصرُ على هذا “التعطيل” فحسب! فالكونُ، من وجهة نظرهم، لا إمكانيةَ هناك فيه على الإطلاق لحدوث ما “يتسلَّط” على قوانينِه وأسبابِه! فهذا “التسلُّط”، من وجهةِ نظرهم، يتعارضُ مع ما ينبغي أن يكونَ عليه الكونُ انضباطاً وتوافقاً مع هذه الأسباب والقوانين. ولقد جعلَ هذا التحديدُ من جانبِ هؤلاء لقدرةِ اللهِ تعالى، الكون “يستعصي” على “أمرِ الله” و”إرادته” طالما كان في هذا الأمر، وفي هذه الإرادة، ما لا يتفقُ مع هذه القوانين والأسباب! ولذلك فإنَّ إصرارَ هؤلاء على القول بألا سلطةَ هناك في الكون بمقدورِها أن تُهيمنَ على قوانينِه وأسبابِه قد جعل منهم عاجزين عن تبيُّنِ ما قصدت إليه آياتٌ قرآنيةٌ كريمةٌ كثيرة! فالقرآنُ العظيم يحفلُ بالكثيرِ من الآياتِ الكريمة التي يتبيَّنُ لمتدبِّرها أنَّ للهِ تعالى “تسلُّطاً” على الكون لا يمكنُ على الإطلاق أن يُكتفى بتوصيفِه بأنه “تعطيل” لقوانين الكون وأسبابه فحسب!
فلنتدبر على سبيل المثال الآيتين الكريمتين 80- 81 من سورة يونس (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ). ألا يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ “مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ” أنَّ فيما حدثَ من “تحوُّلٍ لحَظي” لعصا سيدِنا موسى إلى ثعبانٍ مبين، ومن التقام هذا الثعبان لحبالِ وعصي السحرة، ما لا يمكن التعليلُ له بأنَّ الأمرَ هو لا أكثرَ من “تعطيلٍ” للقوانين والأسباب؟!
فما هي هذه القوانين التي عُطِّلَت؟ ولماذا لا نُقِرُّ بألا وجودَ لهكذا “تعطيل”؟ وأن ما حدثَ لا يمكن أن يُعَلَّلَ له إلا بأنَّه تجلٍّ “لتسلُّطٍ إلهي” على الوجودِ بقوانينِه وأسبابِه، وأنَّ هذا “التسلُّط” له قوانينُه التي لا يمكنُ للعلمِ أن يُقِرَّ بها طالما لم يتأتَّ له أن يُحيطَ بها ويقعَ عليها!
إنَّ “التسلُّطَ الإلهي” على الوجود حقيقةٌ لا ينبغي لنا أن نخجلَ من الإقرارِ بها بذريعةِ أن في ذلك ما يجعلُ منا مُحرَجين أمام العلم؛ إذ كيف نقولُ بخلافِ ما يقولُ به العلم من ألا قوانينَ في الكون إلا ما أثبته هو؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s