الآيةُ التاسعةُ والأخيرة

طاردَ فرعونُ وجيشُه سيدَنا موسى عليه السلام وأصحابَه من بعدِ أن تمكَّنَ سيدُنا موسى من أن يفرَّ بهم بعيداً، وذلك إطاعةً منه عليه السلام لأمرِ اللهِ تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) (52 الشعراء). فلما أصبحَ فرعونُ وجيشُه على مرأى من جمعِ سيدِنا موسى وصحبِهِ، اشتدَّ الخوفُ بقلوبِ أصحابِه عليه السلام، في حين لم ينل من قلبِ سيدِنا موسى أيُّ خوف. ولقد ظنَّ أصحابُ سيدِنا موسى أن فرعونَ وجيشَه سوف يلحقون بهم فيدركونهم فيُصبحون بذلك من الهالكين. إلا أن سيدَنا موسى قطعَ باستحالةِ تحقُّقِ ما كانوا منه يتخوفون فقال قولَه الذي وثَّقته الآيةُ الكريمة 62 الشعراء (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ). ولقد كان اللهُ تعالى عند ظنِّ سيدِنا موسى فشقَّ له البحرَ ليعبرَه وأصحابُه، وليغرقَ من بعدهم فرعونُ وجنودُه.
والسؤال هنا هو: كيف تأتى لسيدِنا موسى أن يكونَ واثقاً كلَّ هذه الثقة من أنَّه سينجو وأصحابُه من بطشِ فرعون وجندِه؟
إن الإجابةَ على هذا السؤال تقتضي منا أن نستذكرَ ما جاءتنا به الآياتُ الكريمة التي وثَّقت للقصةِ منذ بداياتِها. فاللهُ تعالى أخبر سيدَنا موسى أنه مؤيدُه بتسعٍ من كبرياتِ آياتِه، وذلك عندما سيُرسِلُه إلى فرعونَ وقومِه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) (من 101 الإسراء)، (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (12 النمل).
ثم أنَّ اللهَ تعالى كان قد كشفَ لسيدِنا موسى النقابَ عن اثنتين من هذه الآيات التسع: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (31- 32 القصص).
ولأنَّ فرعونَ كان طاغيةً مفسداً في الأرضِ، مستكبراً من العالين، فإنه ما كان ليستجيبَ لمطلبِ سيدِنا موسى فيُرسلَ معه بني إسرائيل، حتى من بعدِ أن أراهُ عليه السلام هاتين الآيتين البرهانين. فما كان من اللهِ تعالى إلا أن عاجلَه وقومَه بخمسِ آياتٍ مُفصَّلاتٍ متلاحقات أنبأتنا بتفاصيلِها الآيةُ الكريمة 133 الأعراف (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ). إلا أنَّ الأمرَ ذاته قد تكرَّرَ تارةً أخرى، وذلك بعد كلِّ مرةٍ يأذن اللهُ تعالى بانقضاءِ أجَلِ هذه الآية أو تلك من الآياتِ الخمس المُبيَّناتِ المفصَّلات الواردُ ذكرُهن في هذه الآية الكريمة.
ولذلك أتبعَ اللهُ تعالى بآيةٍ لاحقةٍ جاءتنا بنبئها الآيتان الكريمتان 134- 135 الأعراف: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ). وهكذا فلقد نكثَ فرعونُ وعدَه فلم يُرسِل بني إسرائيل مع سيدِنا موسى، فما كان منه عليه السلام إلا أن انطلقَ بأصحابِهِ صوبَ البحرِ بعيداً عن مدينةِ ذلك الطاغية.
يتبيَّن لنا من تدبُّرِ ما ورد أعلاه من آياتٍ كريمة أنَّ اللهَ تعالى قد أرى فرعونَ وقومَه ثمانيةً من آياتِه المُبيَّناتِ المفصَّلات. وبذلك فإنَّ علةَ اطمئنانِ قلبِ سيدِنا موسى إلى أنَّ فرعونَ وجُندَه لن يتمكنوا من اللحاق بهم هي أنه عليه السلام كان واثقاً من أنَّ هناكَ آيةً أخرى هي التاسعة والأخيرة، وهي التي ستكفلُ له ولأصحابِه النجاة (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (61- 63 الشعراء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s