في معنى قوله تعالى “فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ”

تحدثت في منشور سابق بعنوان “لماذا أخفق العلمُ في التعاملِ مع المشكلة الإنسانية؟” عن العلة من وراء عجز العلم عن مقاربة الظاهرة الإنسانية المقاربةَ التي كانت لتُعينَنا على الإجابةِ عن كثيرٍ من الأسئلة ذات الصلة بـ “تفرُّد” الإنسان وتمايُزه عن غيرِه من الكائنات البايولوجية لو أنَّ العلمَ كان حقاً كما يزعم قد أحاطَ بالماضي التطوري للإنسان الإحاطةَ المثلى، وذلك بقصرِهِ هذا الماضي على ما يقول به من أصلٍ حيواني للإنسان هو، من وجهةِ نظرِه، أصلُه الوحيد ومحتدُّهُ الأوحد! فأنى للعلمِ أن يُوفَّقَ إلى إجادة التعاملِ المعرفي مع المشكلة الإنسانية وهو يُصِرُّ على أن ليس هناك من تفاصيلَ في مسيرةِ تطورِ الإنسان لا يمكنُ له أن يُرجعَها إلى أصلِه الحيواني الذي يقول به؟!
إنَّ هذا الذي هو عليه الإنسانُ من “تفرُّدٍ” لا يمكنُ للعلمِ أن يُعلِّلَ له بالرجوعِ إلى ما يقولُ به من أصلِه الحيواني. فالذي حدثَ للإنسانِ من “ردة تطورية” هو بحق إنتكاسة لا يمكن أن تُستوعَبَ بمجرد القول بأنَّ مفرداتِها كلَّها جميعاً قابلةٌ لأن يتمَّ التعليلُ لها دون أن يضطرَّنا ذلك إلى التشكيكِ بماضي الإنسان الحيواني، والذي يمثِّل، من وجهةِ نظرِ العلم، كلَّ ما حدثَ للإنسان في غابرِ الإزمان! فالإنسان كائنٌ “غيرُ طبيعي”، وهو يبرهنُ على “لاطبيعته” هذه بهذا العجزِ الكامنِ في صُلبِ بُنيتِه وكينونتِه، وذلك طالما استحال عليه أن يكونَ مفردةً من المفرداتِ التي تستخدمُها الطبيعةُ في مخططِها التصميمي وخُطَّتِها الغائية!
قارن عجزَ العلمِ هذا عن التعليلِ للإنسان تعليلاً يُعينُ على تبيُّنِ عدم قدرته على احتلال “المكانةِ الطبيعية”، التي يُصِرُّ هذا العلم على أنَّ الإنسانَ يتمتَّعُ بها، بما جاءنا به القرآنُ العظيم من تبيانِ العلة من وراءِ “لاطبيعية” الإنسان وكيف أنَّ هذا القرآن قد علَّل لها بما حدث للإنسانِ من “ردةٍ” جعلته يقبعُ خارجَ مخططِ الطبيعة (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (4- من 6 التين).
إنَّ هذا الذي جاء به القرآنُ العظيم من بليغِ تبيانٍ للعلةِ من وراءِ “رِدةِ الإنسان” لَيُعينُ على تبيُّنِ ما جاءتنا به خواتيمُ سورة التين (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (7- 8 التين). فمنذا الذي بمقدورِه أن يكذِّبَ هذا القرآن، وهو الذي أبانَ عن العلةِ التي تجعلُ من الإنسانِ كائناً رُدَّ أسفلَ سافلين ما لم يكن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s