هل تدعونا نظرياتُ العلم إلى أن نقفوَ ما ليس لنا به علم؟

ينهانا اللهُ تعالى في سورة الإسراء عن أن نقفوَ ما ليس لنا به علم فنأخذَ به على أنه من المُسلَّمات التي لا تقتضي منا وجوبَ التمحيص والتدقيق قبل أن نسارعَ إلى الإذعانِ والامتثالِ والانصياعِ لما تدعونا إليه. ويبدو أننا قد قصَرنا امتثالَنا لأمرِ اللهِ تعالى هذا على ما “نظنُّ ونتوهم” أنه المُرادُ مما جاءتنا به الآية الكريمة (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (36 الإسراء).
وهذا الذي “نظنُّ ونتوهم” أنه مُرادُ هذه الآية الكريمة ومقصودُها لا يمثِّلُ إلا بعضاً يسيراً مما يتوجَّبُ علينا ألا نقفوه! فليس الأمرُ يقتصرُ على هذا أو ذاك مما هو ذو صلةٍ بتناقلِ “الأقاويل” فحسب! فالأمرُ أخطرُ من ذلك بكثيرٍ وأدهى، وذلك لأنه يضربُ عميقاً بجذورِه فيما ينبغي أن تكونَ عليه تصوراتُنا عن علاقةِ اللهِ تعالى بالوجود؛ هذه العلاقة التي ليس لكل مَن هب ودَب أن يدلوَ فيها بدلوِه ويقولَ فيها ما يشاءُ له هواه!
إن ما نقومُ به من تناقلٍ لما يريدُنا العلمُ أن نأخذَ به على أنَّه من حقائقِ الوجودِ التي لا مراء فيها إنما هو في حقيقتِه اقتفاءٌ لما ليس لنا به علم، وذلك طالما كان هذا الذي يريدُنا العلمُ أن “نُسلِّمَ” بأنه من الحقائق هو في حقيقةِ الأمر نظرياتٌ فحسب! فكم من نظرياتِ العلم تناقلناها فصدَّقنا أنها من الحقائق لمجرد أنَّ العلمَ قد اشتملَ عليها؟! ولو أننا تدبَّرنا قرآنَنا العظيم ودقَّقنا في هذه النظريات، التي يزعمُ العلمُ أنها قد أصبحت من حقائق الوجود، لتبيَّن لنا جلياً أننا لا يمكن على الإطلاق أن نؤمن بكثيرٍ من هذه النظريات وبما جاءنا به القرآنُ العظيم في الوقت ذاته!
إنَّ امتثالَنا لما يأمرُنا به اللهُ تعالى في هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء يقتضي منا أن ندرسَ كلَّ نظريةٍ من نظرياتِ العلمِ دراسةً تتبيَّنُ مدى اتِّفاقِها مع ما جاءنا به القرآنُ العظيم، وذلك قبل أن نعتمدَها من “مُسلَّماتِنا” التي ليس لأي شكٍّ أن يطالَها. وإذا كان في هذا ما قد يصعب على الكثيرين القيامُ به، وذلك لما قد تنطوي عليه نظرياتُ العلم من “عُسرٍ معرفي”، فإن بمقدورِ نفرٍ من أفرادِ الأمة، ممن يُحسِنون التعاملَ المعرفي مع هذه النظريات، أن يَكفوا الأمةَ هذه المشاق فيعملوا على إنجازِ الأمر وبما يؤمِّنُ للكل تبيُّنَ ما إذا كانت هذه النظرية من نظريات العلم أو تلك تتفق أو تتعارضُ مع ما جاءنا به القرآنُ العظيم.
وهكذا فلن نكون بعدها مُلزَمين باقتفاءِ نظرياتِ العلم إذا كانت هذه النظريات تتعارضُ مع القرآن العظيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s