الإنباتُ الإلهي بين أمرِ الله وأسبابِ الله

خلقَ اللهُ الوجودَ مُسبَّباً بأسبابٍ سلَّطها عليه حتى تسيرَ أمورُه وفقاً لما سبقَ وأن قضت به مشيئتُه وشاءت إرادتُه. وهذه الأسباب هي التي تعرَّف العلمُ على نزرٍ يسيرٍ منها فحسب، فكان له بذلك أن شيَّدَ بُنيانَه على أساسٍ منها، وذلك من بعدِ أن أسبغَ عليها تسمية “القوانين”. و”قوانينُ العلمِ” هذه لا يملكُ الوجودُ حيالَها ما يحولُ دون أن ينصاعَ لأمرِها ويمتثلَ لتسلُّطِها عليه. وكلُّ هذا مُقدَّرٌ بإذنِ اللهِ تعالى. فاللهُ تعالى هو الذي سبَّبَ الأسبابَ التي بمقتضاها تجري وقائعُ وأحداثُ الوجود وفقاً لسُنَنٍ إلهيةٍ لا مناصَ منها ولا محيصَ عنها وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بعالمِ الأسباب الذي فرضه اللهُ تعالى على الوجودِ فرضاً لطيفاً جعلَ العلمَ يظنُّ ويتوهَّمُ أن هذه القوانينَ هي قوانينُه هو قبل أن تكونَ قوانينَ الوجود!
ولأنَّ العلمَ لا يعلمُ وجوداً لقوانينَ غيرَ تلك التي قُدِّرَ له أن يُحيطَ بها، فإنه يجدُ نفسَه مضطراً إلى وجوبِ إنكار أيِّ وجودٍ لهكذا قوانين! وهكذا أصبح من المستحيلِ على العلمِ أن يُصدِّقَ أنَّ هناك ما بمستطاعِهِ أن يُعطِّلَ “قوانينَه” التي لا يُريدُ أن يُصدِّقَ أن هناك خالقاً هو الذي سبَّب لهذه القوانين بالأسبابِ التي سبقَ له وأن سلَّطها على الوجود.
فالعلمُ أبداً لن يكونَ بمقدورِه أن يُصدِّقَ أنَّ هناك مَن بمقدورِه أن يُنبتَ شجرةً بلمحٍ بالبصر ومن دونِ بذرة. ولكن هذا هو عينُ ما حدث لسيدِنا يونس عليه السلام الذي أخبرنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى قد أنبتَ عليه شجرةً من يقطين (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) (146 الصافات). فاللهُ تعالى هو الذي خلقَ المطر وجعلَه سبباً في إنباتِ الشجر، واللهُ تعالى قادرٌ إن شاء على أن يُسلِّطَ “أمرَه” على الوجودِ فيجعلَ الشجرةَ تنبتُ من دونِ بذرةٍ ولا مطر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s