في معنى قولِهِ تعالى “وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ”

الإنسانُ عاجزٌ وحده عن أن يتبيَّنَ أنَّ لهذا الوجودِ رباً خالقاً هو الله عجزَه عن تبيُّنِ أن هناك قيامةً قادمةً وساعةً قائمةً وآخرةً آتيةً لا ريبَ فيها. وعجزُ الإنسان عن تبيُّنِ هاتين الحقيقتَين يرفدهُ عجزٌ آخر يتمثَّلُ في عدم قدرتِهِ على تبيُّنِ السبيلِ الذي يتوجَّب عليه أن يسلكَه حتى يرضى عنه الله.
ويُخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ الإنسانَ قادرٌ بعقلِه على أن يتبيَّنَ أن له وللوجودِ رباً خالقاً هو الله، وأنه قادرٌ بهذا العقلِ وحده على أن يعرفَ أنَّ هناك يوماً آخرَ تنتهي بقدومِ ساعتِه هذه الحياةُ الدنيا! فإذا سلَّمنا جدلاً بأنَّ أولئكَ الذين دأبوا على تعظيمِ عقلِ الإنسان هم على صوابٍ بزعمِهم أنَّ هذا العقلَ قادرٌ على أن يتوصَّلَ إلى هاتين الحقيقتين، فهل بمقدورِ هذا العقلِ أيضاً أن يُحدِّدَ المنهاجَ التعبُّدي الذي ينبغي على الإنسانِ أن ينتهجَه حتى لا يكونَ من الهالكين؟!
لقد فنَّدَ اللهُ تعالى بقرآنِه العظيم كلَّ تلكَ الدعاوى التي تُعظِّمُ من قدرةِ العقلِ البشري على التوصُّلِ إلى ما أُخفيَ عنه من حقائقِ الوجودِ، وذلك بتأكيد هذا القرآن أنَّ اللهَ تعالى لم يترك الإنسانَ يتخبَّطُ في المتاهاتِ والضلالات دون أن يتعهَّدَه بمن يُبيِّنُ له طريقَ الهداية. فلو كان الإنسانُ قادراً حقاً بعقلِه على أن يتوصَّلَ إلى حقائقِ الدين الإلهي، فلماذا أرسلَ اللهُ تعالى إذاً رُسُلَه إلى الناس؟! وهذا هو ما لا ينبغي أن يغيبَ عن بالنا ونحنُ نقرأُ قولَه تعالى (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (من 24 فاطر). فهذه الآية الكريمة تؤكِّدُ لمتدبِّرِها أنَّ الإنسان أبداً لن يكون بمقدورِه وحدَه أن يتوصَّلَ إلى حقائقِ الدين الإلهي، وأنَّ أمرَ تبيانِ هذا الدينِ للناس عائدٌ إلى اللهِ الذي خلقَ الناس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s