الإيمان.. هل هو بالغيب أم بالعقل؟

يُعين على الإجابةِ على سؤال “الإيمان، هل هو بالغيب أم بالعقل؟” أن نستذكر ما جاءتنا به أوائلُ سورةِ البقرة (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
فالإيمانُ، كما تؤكِّدُ ذلك أوائلُ سورةِ البقرة، هو بالغيب، وبالتالي فهو لا يمكنُ أن يكونَ بشيءٍ آخر حتى وإن كان هذا الشيء الآخر هو العقل! وقد يعترضُ هنا معترضٌ فيقول إن المُراد بـ “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ” هو “الذين يؤمنون بما هو غيبي وبالتالي فهو “مُغيَّبٌ” فلا قدرةَ لحواس الإنسان على التعامل المعرفي معه”. وهذه قراءةٌ تفتقرُ إلى التوفيق، ناهيك عن كونها لم تتدبَّر مواطنَ قرآنيةً أخرى وردت فيها كلمة “بِالْغَيْبِ”؛ هذا التدبُّر الذي كان سيُعينُ صاحبَه على أن يتبيَّنَ مرادَ هذه الكلمة القرآنية الكريمة. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 49 الأنبياء)، (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (من 94 المائدة)، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (من 25 الحديد)، (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) (من 11 يس)، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (12 المُلك)، (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) (من 61 مريم).
والسؤال الآن هو: لماذا أمرَنا اللهُ تعالى بأن نؤمنَ به بالغيب وليس بالعقل؟ يُعينُ على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكرَ أياً من الآيات الكريمة التي بيَّنت وفصَّلت أركان الإيمان العقائدية، وذلك من مثل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (من 177 البقرة)، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (من 136 النساء). فالقاسمُ المشترك بين أركان الإيمان العقائدية هو أنَّ كلاً منها لا يمكن أن يكونَ من “المعقولات” التي لا يختلف بشأنها إثنان.
وهكذا يتبيَّنُ لنا أنَّ الإيمانَ لا يمكنُ أن يكونَ إلا “بالغيب”، وذلك طالما لم يكن بمقدورِ العقل أن يطمئنَّ إلى صحةِ هذا الإيمان اطمئنانَه إلى ما هو معقولٌ من مفرداتِ الواقع الذي بإمكانِه أن يتعاملَ معرفياً معه بكلِّ يُسرٍ وسهولة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s