الدماغُ والعقل بين العلم والدين

العلمُ منظومةٌ معرفيةٌ محدودةٌ بحدودِ ظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (7 الروم). ولأنه كذلك، فلم يكن بمقدورِ العلم أن يتحرَّرَ بالتالي من القيودِ المعرفية التي فُرِضت عليه بسببٍ من عجزِهِ عن أن يتجاوزَ هذا الظاهر إلى ما ورائه. وبذلك يغدو من المنطقي أن ينظرَ العلمُ إلى الإنسان فلا يرى إلا ما يؤكد له أنَّ دماغَ هذا الإنسان وعقلَه كيانٌ واحد!
وفي المقابل، نجد أن الدينَ يُصِرُّ على أنَّ دماغَ الإنسانِ أكبرُ من عقلِه! ولذلك جاءَ الدينُ الإنسانَ بمنظومةٍ إيمانيةٍ قوامُها مفرداتٌ متعاليةٌ على الواقع يتطلبُ الإيمانُ بها الإحجامَ عن إعمالِ العقلِ فيها. ولذلك كان الإيمانُ قائماً على الغيب لا على العقل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (من 3 البقرة). فالعقلُ لا يؤمنُ إلا بما تقومُ عليه الدلائلُ العقلية. وبذلك تتبيَّنُ لنا العلةُ من وراءِ وجوبِ أن يكونَ الإيمانُ قائماً على الغيب لا على العقل. فالإيمانُ بالغيب يفعلُ فِعلَه في مادةِ الدماغ لتنشأ بعدَها “مساحاتٌ دماغية” تتجاوزُ الحدودَ الفسيولوجيةَ لمادةِ العقل فيُصبِحُ بمقدورِ المؤمنِ، بالغيبِ لا بالعقل، أن يتعاملَ معرفياً مع ما كان يعجزُ عن التعاملِ المعرفي معه بعقلِه.
إذاً فالإيمانُ بالغيب يبني للمؤمنِ “كياناً دماغياً” غيرَ عقلِهِ الذي لا قدرةَ له على التعاملِ مع ما يتجاوزُ ما هو معقول.
وهكذا يتبيَّنُ لنا الفارقُ الكبير بين نظرةِ العلم ونظرة الدين إلى دماغِ الإنسانِ وعقله. فهذا الفارقُ حقيقيٌّ ويؤسِّسُ له عجزُ العلمِ عن أن يُضارِعَ الدينَ في قدرتِه على التعامل المعرفي مع ما هو متجاوزٌ لهذا الواقع الذي لن يكونَ بمقدورِ العلمِ أبداً أن يتجاوزَه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s