آدم والمسيح عليهما السلام و”كن فيكون”

تحدثتُ في منشورٍ سابق عن بعضٍ مما يعنيه اصطفاءُ الله لسيدِنا آدم على الناسِ أجمعين، وذكرتُ أنَّ هذا الاصطفاءَ الإلهي تجلَّى بنفخِ اللهِ تعالى في سيدِنا آدم من روحِه؛ هذه النفخة الإلهية المباركة التي أصبح سيدُنا آدم بمقتضاها إنساناً في أحسنِ تقويم. واللهُ تعالى إذ أخبرَنا في قرآنِه العظيم بأنه قد نفخ في سيدِنا آدم من روحِه، فهو إنما يُشيرُ إلى تدخُّلِه المباشر في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا آدم وذلك بقولِه له “كن فيكون”؛ هذا التدخُّلُ الذي كان لـ “كن فيكون” أن تُجلِّيَه تسلُّطاً على قوانينِ “المادةِ الحية” البايولوجية منها والفسيولوجية والسايكولوجية. وهذا التدخُّلُ الإلهي المباشر الذي فرضته “كن فيكون” على ما كان عليه سيدُنا آدم قبلها في تخلُّقِه وتصيُّرِه قد تحقَّقَ بتسلُّطِ قوانين إلهية “أخرى” على قوانين المادة الحية التي نعرفها، فكانت النتيجةُ ما أصبحَ عليه سيدُنا آدم مخلوقاً استثنائياً متفرداً استحق أن يأمرَ اللهُ تعالى الملائكةَ بالسجودِ له.
وإذا كان للتدخلِ الإلهي المباشر في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا آدم بنفخِهِ تعالى فيه من روحِه بـ “كن فيكون”، فما الذي يعنيه ما أنبأتنا به الآية الكريمة 59 آل عمران من أنه تعالى قد تدخل بـ “كن فيكون” في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا عيسى عليه السلام؟ (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
لابد هنا من أن نُشير إلى أن القرآنَ العظيم قد أنبأنا بأنَّ اللهَ تعالى قد نفخَ في السيدة مريم عليها السلام من روحِهِ (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) (من 91 الأنبياء). وهذه النفخةُ الإلهيةُ المباركة هي ذاتُها نفخةُ “كن فيكون” التي أشارت إليها الآية الكريمة 59 آل عمران أعلاه. فالتدخُّلُ الإلهيُّ المباشر في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا المسيح عليه السلام كان بنفخةِ “كن فيكون” هذه؛ هذه النفخة التي هي في حقيقتِها قولُ اللهِ تعالى له عليه السلام “كن فيكون”. ونفخةُ “كن فيكون” هنا كان لها أن تجعلَ لقوانينَ إلهيةٍ بِعينِها أن تتسلَّطَ على ما نعرفُ من قوانين المادة الحية لبدَنِ السيدة مريم فجعلها تحملُ بسيدِنا عيسى عليه السلام دون وساطةٍ من زوج.
يتبيَّنُ لنا إذاً أن التدخل الإلهي المباشر في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا آدم بقول الله تعالى له “كن فيكون” قد تجلى بجعلِهِ يصبح في أحسنِ تقويم، أما تدخُّل الله المباشر في تخلُّقِ وتصيُّرِ سيدِنا عيسى فقد تجلى بجعل أمه تحمل به دون وساطةٍ من زوج.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s