وكان على الإنسان أن يُتوفى مرتين!

تعيَّنَ على الإنسانِ من بعد أكلِ أبوَيه، آدمَ وزوجِه، من شجرة الجنة أن يجريَ عليه ما يجري على غيرِه من المخلوقات البايولوجية من موتٍ كان سيتفاداه لو أنهما لم يأكلا منها. فلقد تسبَّبت تلك “الأكلةُ القدَرية” في الكثير الكثير من الأضرار التي تحتَّم على الجنس البشري أن يعانيَ منها. ومن هذه الأضرار أن الإنسان أصبح كغيره من كائنات الطبيعة يجري عليه ما يجري عليها من وجوب ألا يكونَ من الخالدين؛ وهو الذي كان، وبسببٍ من نفخِ اللهِ تعالى فيه من روحه، مقدَّراً له ألا يموتَ أبداً!
وبذلك تعيَّن على الإنسان أن يموتَ فيُتوفى من قِبل رسُلِ اللهِ الذين أُوكلَ إليهم أمرُ تسلُّمِ نفسِه وديعةً وأمانةً وذمة كما أُوكل إليهم أمرُ اصطحابها إلى حيث ستودَع في حفظِ اللهِ تعالى إلى يومِ البعث (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون) (61 الأنعام)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99- 100 المؤمنون)..
وهذا البرزخُ هو حجابٌ حاجزٌ يفصلُ ما بين عالَم الأحياء من بني آدم وعالم موتاهم. ولقد قُدِّرَ على الإنسانِ أن تُحفَظَ نفسُه من بعدِ الموت في مستودعٍ إلهي سمَّاه القرآنُ العظيم بـ “الكتاب”. والإنسانُ، من بعد الموت، ينالُهُ نصيبُه من هذا الكتاب إذ يتعيَّنُ على نفسِه أن تمكثَ مستودعةً فيه حتى يشاءَ اللهُ لها أن تُبعثَ يومَ الحساب. ولقد ذكرَ القرآنُ العظيم شيئاً عن هذا الكتاب وذلك في سياقِ حديثِه عن أولئك الذين ما كانوا يظنون أنهم مبعوثون يومَ القيامة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55- 56 الروم).
ويوم القيامة سيُبعثُ الناسُ من بعد أن يكونَ قد نالهم نصيبُهم من الكتاب، مكثاً فيه على قدرَ ما قضى اللهُ أجلاً مأجولاً، فتتوفاهم ملائكةُ الحساب يداً بيد إذ سوف تتسلمهم من ملائكةِ الكتاب الذين أوكلَ إليهم أمرُ حفظِ نفوسِ موتى البشر في الحياة الدنيا. ولقد جاءنا القرآنُ العظيم بخبرِ هذا التوفي الملائكي يوم القيامة وذلك في سياق حديثِه عن أولئك الذين ما كان ليخطرَ على بالِ أحدهم في حياتهِ الدنيا أنه مبعوثٌ يوم القيامة (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (من 37 الأعراف).
إذاً فالإنسانُ يُتوفى مرتين: مرة عندما يموت فتتوفاهُ ملائكةُ الكتاب وأخرى عندما يُبعث فتتوفاهُ ملائكةُ الحساب. والتوفِّي الملائكي هذا هو تسلُّمٌ لا يُفرَّطُ بمقتضاه بنفسِ الإنسان التي هي في حفظِ الملائكةِ أمانةً وذمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s