وكان المبتدا عند سدرة المنتهى!

نهى اللهُ تعالى أبوَينا آدم وزوجَه عن أن يقربا شجرةً بعينِها من أشجارِ جنةِ المأوى التي أسكنهما إياها (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف). ولقد فتنَ الشيطانُ أبوَينا فزيَّن لهما الأكلَ من تلك الشجرة التي خدعهما إذ قال لهما بأنها شجرةُ الخلد ومُلكٍ لا يزول (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (120 طه). فلقد أخبرَ الشيطانُ آدمَ بأن الشجرةَ التي نهاهُ اللهُ عنها هي شجرةُ الحياةِ الأبدية التي إن هو أكل من ثمرِها كان له أن يحيا إلى الأبد.
وإذا كان القرآنُ العظيم لم يخبرنا أيَّ شيءٍ عن هذه الشجرة، فإن العهدَ القديم ذكرَ في سِفر التكوين منه أنها شجرةُ معرفةِ الخيرِ من الشر، وأنَّ شجرةً أخرى غيرها هي شجرة الحياة التي حيلَ بينها وبين آدم حتى لا يحظى بالخلود.
أما ما جاءنا به القرآنُ العظيم من خبرِ ما حدث بعد أن أكلَ أبوانا من تلك الشجرة، فهو أنهما قد أخذا يخصفانِ عليهما من ورق شجر الجنة وذلك من بعد أن نزع الشيطانُ عنهما لباسَهما فبدى لهما بَدناهما عاريين. وكذلك كان من آثارِ أكلِ أبوَينا من تلك الشجرة أننا أُهبِطنا من جنةِ المأوى إلى هذه الأرض لنحيا فيها يُعادي بعضُنا البعض. وهذا ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (121 طه)، (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (من 27 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه)، (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (من 36 البقرة).
إذاً فقصةُ الإنسانِ على هذه الأرض ابتدأت عند سدرةِ المنتهى من بعدِ أن أكلَ أبوَانا من ثمرِها فتوجَّب عليهما أن يغادرا جنةَ المأوى ليعودا إلى الأرض التي كانا قد خُلِقا من ترابها، ولتبدأ بذلك مسيرةُ الجنسِ البشري بكلِّ ما اشتملت عليه من أحداثٍ أوجزها قولُ اللهِ تعالى (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 24 الأعراف).
ولقد تعيَّنَ على الإنسان، بعد أن أكلَ أبواه من شجرةِ جنةِ المأوى، أن يختارَ واحداً من طريقين؛ فإما أن يتَّبعَ هديَ اللهِ فيسعدَ دنيا وآخرة، وإما أن يُعرضَ عن هَدي الله فيشقى دنيا وآخرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s