ميتافيزيقا الخصومات البشرية!

تتنازعُ البشرَ خصوماتٌ تتفاوتُ فيما بينها عِللاً وأسباباً. فالشحناءُ والبغضاءُ قد تصلان أحياناً إلى عداواتٍ تتمايزُ فيما بينها صنوفاً وألواناً وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بمَدَياتِها وغاياتِها. ويُخطئُ مَن يظنُّ أنَّ التعليلَ للعداوةِ بين بني آدم أمرٌ يسير! فمن العداوةِ ما بالإمكانِ إرجاعُه إلى أسبابٍ لا تبتعدُ كثيراً عن تلك التي بمقتضاها يتعادى أفرادُ النوعِ الحيواني تصارعاً على مناطقِ النفوذ وتكالباً على الماءِ والكلأ وغيرِ ذلك من المفردات الحياتية التي يتحقَّقُ بها بقاءُ النوع وانتشارُه.
إلا أن هذه الأسبابَ تعجزُ عن التعليلِ لما قد ينشبُ بين بني آدم من تصارعٍ يحارُ المرءُ في تفكيكِه طالما استعصى عليه تبيُّنُ العلةِ من ورائه. وهنا لابد لنا من أن نلتجئ إلى ماضي الإنسان السحيق الذي ألقى بظلالِه الكثيفة على حاضرِ الإنسانِ ومستقبلِه بهذا الذي تسبَّبَ به من جعلِ بني آدم يُعادي بعضُهم بعضاً دونما سبب! فأكلُ الإنسانِ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ تعالى عنها تسبَّبَ في نشوءِ هذا العدوان غير المُسبَّبِ بسبب، والذي لا يمكنُ لنا على الإطلاق أن نُعلِّلَ له إلا بما جرى للإنسانِ جراء أكلتِه هذه.
كما أنَّ كثيراً من العداواتِ التي تنشبُ بين بني آدم يستعرُ أوارُها بتدخُّلٍ من قِبَل الشيطان، الذي أقسمَ بعزةِ اللهِ تعالى أن يُناصِبَ البشرَ العداء وأن يفعلَ كلَّ ما بوسعِهِ حتى يُضِلَّهم عن الصراطِ المستقيم، وما يقومُ به من نزغٍ بين بني آدم يؤلِّبُ بمقتضاهُ قلوبَ بعضِهم على بعض لتمتلئَ غِلاً وحقداً وحسداً وكراهية! ولذلك أمرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأن نُعسِّرَ على الشيطانِ كيدَه فلا نُمكِّنَه من عقولِنا ولا نسلمَ له قلوبَنا يفعلُ بها ما يشاءُ ويحلو له (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء)، (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (91 المائدة).
إذاً فليست كلُّ الخصوماتِ التي تنشبُ بين البشر بالإمكانِ التسبيبُ لها بهذا أو ذاك من الأسبابِ التي يتصارعُ عليها حيوانُ الأرض! فكثيرٌ من العداواتِ البشرية تستعرُ نيرانُها بتدخُّلٍ من الشيطان الذي يستعينُ بها ليوغِرَ صدورَ بعضِنا على بعض فينشغلَ الواحدُ منا بالآخر عوضَ انشغالنا باللهِ الذي خلقَنا لعبادتِه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s