عِلة العدوان البشري الظالم

يتمايزُ الإنسانُ عن كافةِ أنواعِ الحيوان بما يجعلُ منه مخلوقاً فريداً لا مضارع بايولوجياً له! ومن بين مفرداتِ هذا الذي يُميزُ الإنسانَ عن جميع أصناف حيوانِ الأرض أنه مخلوقٌ ذو عدوانيةٍ استثنائية. فكلُّ حيوانٍ على هذه الأرض، براً وبحراً وجواً، لا يلجأ إلى العدوان إلا بما تضطرُّه إليه آلياتٌ فرضتها عليه قوانينُ اللهِ تعالى التي لولاها ما كان للطبيعةِ أن يستقيمَ أمرُها ولا يصلحَ حالُها.
أما العدوانُ الإنساني، فهو مسألةٌ ليس باليسيرِ تبيُّنُ علَّتِها. فإذا ما نحن سلَّمنا جدلاً بما يقولُ به “العقلُ العلمي”، فقلنا بأن الإنسانَ “كائنٌ طبيعي” من كائنات الطبيعة نشأ عنها وترعرعَ في ظلِّ قوانينِها نشوءاً وتطوراً وارتقاءً وفق الضوابطِ والمُحدِّدات التي تقضي بها نظريةُ التطور، فإنه لمن غير المنطقي أن يكونَ الإنسانُ على هذا القدرِ من العدوانية وذلك طالما لم يكن هنالك على الإطلاق ما يُسوِّغُ لها! فالعدوانُ البشري، بهذا الذي هو عليه من طغيانٍ، لا يمكن أن يكون طبيعياً! فالطبيعةُ لا تسمحُ بأيِّ طغيانٍ طالما لم يكن له أن يُعينَ الفردَ على أن يتعايشَ مع غيرِهِ من أفرادِ نوعِه أو أفرادِ الأنواعِ الأخرى التي قُدِّرَ له أن يتعايشَ معها وفقما تقضي به قوانينُ التصارع من أجل البقاء.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أن الإنسانَ، بهذا الذي هو عليه من عدوانٍ “غير طبيعي”، لا يمكنُ أن يكونَ “كائناً طبيعياً” كما تزعمُ نظرية التطور! فهذا العدوان الذي يتمايزُ به الإنسانُ عن صنوفِ الحيوانِ كلِّها جميعاً هو الدليل على أنه لابد وأن يكونَ هناك أمرٌ “غير طبيعي” كان لتدخُّله في مسارِ نشوءِ وارتقاءِ الإنسان ما تسبَّبَ بجعلِهِ على هذا القدر من العدوان.
وبذلك يتبين لنا أن “العقل العلمي” عاجزٌ كلَّ العجزِ عن أن يُقدِّمَ لنا تصوراً علمياً نفقهُ بمقتضاهُ العلةَ التي حتَّمت على الإنسانِ أن يكونَ “طاغيَ العدوان”. وهكذا نجدُ أنفسَنا مضطرِّين إلى وجوبِ الإلتجاءِ إلى الروايةِ الدينيةِ التي بمقدورها وحدها أن تُعلِّلَ لعدوانِ الإنسان “غير الطبيعي” هذا. فالروايةُ الدينية تشتملُ على ما يُمكِّنُنا من إرجاعِ عدوانِ الإنسان “غير الطبيعي” إلى ما سبق وأن حدثَ في تلك الجنةِ التي أُسكِنَها الإنسانُ فأكلَ من شجرتها التي تسبَّبت في جعلِهِ يتميزُ بهذه العدوانية “غير الطبيعية”، والتي أشارت إليها الآيتين الكريمتين (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (35 -36 البقرة).
إن “بعضنا لبعضٍ عدو” هو قانون التواجد الإنساني الذي بمقتضاه كان للإنسانِ أن يحيا دنياهُ في هذه الأرض حياةً ليس بالعسيرِ على مَن يتدبَّرها أن يتبيَّنَ ما اشتملت عليه من كلِّ ما لا يمكنُ على الإطلاق أن يُعلَّلَ له من عدوانٍ غاشمٍ إلا بالالتجاءِ إلى هذا القانون الذي وحده من بمقدوره إن يُمكِّننا من فقهِ العلة من وراءِ العدوان البشري.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s