المعجزات والعلم

يظنُّ “العقلُ العلمي” أنه قادرٌ على أن يُعلِّلَ لظواهرِ الوجودِ كلِّها جميعاً تعليلاً يتوافقُ مع منظومتِه المعرفية التي قُيِّضَ له أن يُشيِّدَها على أساسٍ مما تمكَّنَ من أن يُحيطَ به من هذه الظواهر. فقوانينُ العلم هي القوانينُ التي ما كان للوجودِ أن يكونَ له وجودٌ لولا سيادتها وتسلُّطها. ولأن العلمَ قُدِّرَ له أن يُعلِّلَ لظواهرِ الوجود التي كان له أن يحيطَ بها، فلقد وقرَ لديه أنه بذلك قد أصبح بمقدورِه أن يقولَ القولَ الفصل بشأنِ كلِّ ما هو ذو صلةٍ بهذا الوجود نفياً أو إثباتاً! فالمعجزاتُ والكراماتُ، وغيرُها من خوارقِ العادات، لا ينبغي أن يكونَ لها وجودٌ طالما تعارضَ وجودُها مع “قوانين العلم”، وطالما كانت هذه القوانين هي التي تَمكَّن العلمُ من أن يُشيِّدَ بوساطةٍ منها تصوُّرَه عن الوجود؛ هذا التصور الذي يمثِّلُ الوجودَ عنده!
وإن أنت حاججتَ المنبهرين بالعلم فقلتَ إن هناك معجزاتٍ أو ظواهرَ خارقةً لا قدرة لهذا العلم على أن يُعلِّلَ لها، ناهيك عن أن يكونَ بمقدورِه أن يأتي بمثلها، فسوف ينبري لك هؤلاء منافحين ومدافعين عن العلم بقولِهم إن أيةَ معجزةٍ أو ظاهرةٍ خارقةٍ للعادة لابد وأن يكمن من وراء حدوثِها “قانون علمي” إن تعذَّرَ علينا اليوم أن نُحيط به، فإن غداً لناظره قريب، وإننا لا ندري ما سيأتينا به قادمُ الأيامِ من اكتشافاتٍ قد تُمكِّنُنا من أن نضعَ أيدينا على “القانونِ العلمي” الذي بمقتضاه كان لهذه المعجزة، أو تلك الظاهرة الخارقة، أن تحدث. فلا معجزاتٍ هناك ولا ظواهر خارقة، طالما كان بمقدورِنا على الدوام أن نفترضَ أنَّ المستقبلَ يُخبئ لنا من “الاكتشافات” ما هو كفيلٌ بأن يُميطَ اللثام عن هذا “الغموض” الذي يكتنفُ المعجزات وغيرها من الظواهر الخارقة.
ودفاعٌ كهذا عن العلم يُفنِّدُه ما جاءنا به الدينُ الإلهي من حقيقةٍ مفادُها أنَّ أحداثَ الوجود لا تحدثُ إلا لأن اللهَ تعالى قيَّضَ لها أسباباً تحدثُ بمقتضاها، وأنَّ أحداثاً أخرى لابد وأن تحدثَ إذا ما شاء اللهُ تعالى لها أن تحدث؛ فالأمرُ ليس منوطاً بهذا القانون العلمي أو ذاك طالما كان الأمرُ كلُّه لله. فالمعجزات تحدثُ لأن اللهَ تعالى أرادَ لها أن تحدث، والأمرُ لا علاقةَ له بقانونٍ علمي لم يتسنَّ لنا الوقوعُ عليه بعد! فما الضيرُ من أن نقولَ بأنَّ اللهَ تعالى هو مَن يتسبَّبُ بحدوثِ المعجزات عوضَ أن نقولَ بهذه القوانين غير المكتشَفة بعد؟! فلا يُعقَل أن يكون هناك ملايين من هذه “القوانين غير المُكتشفة” بعد، والتي يتوجَّبُ علينا أن نفترضَ وجودَها لنُعلِّلَ لملايين المعجزات التي يكفينا أن نُعلِّل لها بأنَّ اللهَ أرادَ لها أن تحدث فقال لها “كن فيكون”!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s