إنهم بنو آدم لا غيرهم!

يبرهنُ قارئو قرآنَ الله العظيم دون تدبُّرٍ لآياته الكريمة على عجزهم عن الإحاطةِ بالمعنى الذي ينطوي عليه ويشتملُ نصُّه الإلهي المقدس بهذا الذي بالإمكانِ تبيُّنُه من خوضٍ في متاهات التأويل الشاطح بعيداً عن الحقِّ البيِّنِ الواضح لكلِّ مَن استيسرَ تدبُّرَ القرآنِ على مقاربتِهِ بعقلٍ متسلطٍ وبنقلٍ يتعارضُ مع صريحِ هذا القرآن. فقراءةُ القرآنِ العظيمِ بتدبُّرٍ تحولُ دون أن تتسلَّطَ على نصِّهِ المقدس أفكارٌ وتصوراتٌ تجعلُنا نستعيضُ بها عنه استعاضةً تنتهي بنا إلى الوقوعِ على ما نظنُّ ونتوهَّمُ أنه معناه وما هو بمعناه.
وخيرُ مثالٍ على هذا الخوضِ في متاهاتِ التخرُّصِ على قرآنِ اللهِ العظيم ما يقولُ به كثيرٌ منا، وذلك بتأويلِهِم لقولِهِ تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه). فوفقاً لهذا التأويل غير الموفق، فإن العداوةَ هنا هي تلك القائمة بين البشر من جهة والشيطان وقبيله من جهةٍ أخرى! وفي هذا التأويلِ ما فيه من تناقضٍ بيِّن جَليٍّ مع النَّص القرآني المقدس الذي لو أننا تدبَّرناه لتبيَّنَ لنا أن ما نزعمُ به بشأن هذه العداوة المتخيَّلة بين الإنس والشيطان وقبيله لا أساسَ قرآنياً له! فيكفينا أن نتدبَّرَ تسلسلَ الأحداث وفقما جاءتنا بها الآيتان الكريمتان 24 -25 من سورة الأعراف حتى يتبيَّنَ لنا أنَّ هذه العداوةَ هي تلك القائمة بين بني آدم أنفسهم، والذين تعيَّن عليهم أن يُعادي بمقتضاها بعضُهُم البعض منذ أن أكل أبوانا من الشجرة التي نهاهما اللهُ تعالى عنها (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ). فتدبُّرُ هاتين الآيتين الكريمتين كفيلٌ بأن يبيّنَ لنا أن المقصود بالعداوة هم بنو آدم، وذلك لأنهم هم الذين سيتوجَّب عليهم، ومن بعد الهبوطِ من الجنة، أن يعاديَ بعضُهم البعض على هذه الأرض التي سيحيون فيها وفيها سيموتون ومنها سيُخرجون. فالخطابُ لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بأي أحدٍ آخر غيرِ بني آدم.
يتبين لنا من هنذا المثال القرآني أنَّ تدبُّرَ القرآنِ العظيم يلزمُ عنه وجوبُ التقيُّدِ بما جاءنا به نصُّه الإلهي المقدس دون أن نتجاسرَ عليه ونتجرأ بتأويلٍ، إن كان يتناغمُ مع تصوراتِنا وأفكارنا، فإنه يتعارضُ مع ما جاءنا به هذا القرآن!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s