الإنسان ذلك المخلوق اللامنتمي!

تحدثتُ في منشورٍ سابق عما يضطرُنا إليه تدبُّرُ ما هو عليه الإنسانُ من خروجٍ على الطبيعةِ وقوانينِها. فنحن مضطرون لا محالة إلى افتراضِ أنَّ أرضَنا هذه لا تكفي للتعليلِ لخروجِ الإنسانِ هذا على الطبيعةِ وقوانينِها، وأنه لابد وأن يكونَ لنا ماضٍ تطوريٌّ في أرضٍ أخرى غيرَ هذه الأرض التي منها خُلِقنا.
والآن، إذا كان الإنسانُ لا ينتمي إلى هذه الأرضِ بالتمامِ والكلية انتماءَ نباتِها وحيوانِها إليها، فهل يحقُّ لنا أن نقولَ بأنه ينتمي إلى تلك الأرضِ التي كانت له فيها حكايةٌ انتهت بإخراجِه منها وإعادتِه إلى الأرضِ التي خلقَهُ اللهُ تعالى منها؟ يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال ما نحن واثقون منه كلَّ الثقة من أنَّ لا هذه الأرضَ التي منها خُلِقنا، ولا تلك الأرضَ التي عنها أُبعِدنا، هي “المنتمَى” الذي يحقُّ لنا أن نعزو انتماءَ الإنسانِ إليه. فالإنسانُ بهذا الذي هو عليه من “لاطبيعية” قد حكمَ على نفسِهِ بأن يكون لامنتمياً حقاً وحقيقةً إلى أية أرض؛ فهو لا ينتمي إلى هذه الأرض التي خُلِق منها لاانتماءه إلى الأرضِ التي عُرِجَ به إليها وأُعيد منها إلى الأرض التي سوف يتوجَّبُ عليه أن يحيا فيها ويموتَ ويُبعثَ منها تارةً أخرى.
وهكذا تحتَّم على الإنسانِ أن يكونَ المخلوقَ “اللامنتمي” على الإطلاق! والـ “لاانتماء” هذا هو قدَرُ الإنسانِ الذي تعيَّنَ عليه أن يرزحَ تحت نَيره طالما كان اللهُ تعالى قد خلقَهُ له (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (من 156 البقرة). فالإنسانُ خلقَهُ اللهُ له فكان حقيقاً عليه أن يقطعَه فلا يجعلُ له صِلةَ اتصالٍ وانتماءٍ لأيِّ شيءٍ سواه!
إن الإنسانَ، بهذا الذي هو عليه من “لاانتماء”، لَيشهدُ بأنَّ مَن قطعَهُ وحرَّمَ عليه أن ينتميَ إلى غيرِهِ هو اللهُ خالقُهُ الذي جعلَ منه آيةً تدلُّ عليه وتهدي إليه؛ فالإنسانُ اللامنتمي لغيرِ الله، خِلقةً وجِبلة، لا يمكنُ أن يكونَ لسواه طالما كان انتماؤه قدَراً وتقديراً هو إلى الله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s