أرضٌ واحدةٌ لا تكفي!

عجيبٌ أمرُ هذا العلمِ، الذي يُفاخِرُ بأنه يملكُ الجوابَ على كلِّ سؤالٍ قد يخطرُ على بالِ إنسان، كيف يضطرُّه إلى الإقرارِ بعجزِهِ المعرفي تدبُّرُه هذا الذي يتمايزُ به الإنسانُ عن غيره من كائناتِ الطبيعة، وهو الذي لا يُقِرُّ له هذا العلمُ بأيِّ أصلٍ “غيرِ طبيعي”! فالإنسان، من وجهةِ نظرِ العلم، كائنٌ طبيعيٌّ نشأ وتطوَّرَ في ظلِّ تسلُّطٍ مُحكَمٍ من قوانينِ الطبيعة. إلا أن هذا “الماضي الطبيعي” المُتخيَّل يقفُ عاجزاً أمامَ حاضرِ الإنسان الذي يتجلى فيه من الحيودِ عن كلِّ ما هو طبيعي الشيءُ الكثير! فكيف تأتَّى إذاً للإنسانِ الطبيعي النشأة، والطبيعي التطور، أن ينتهي به الأمرُ إلى كلِّ هذا الشذوذِ والحيودِ عن “المسارِ الطبيعي”؟!
إنَّ ما هو عليه الإنسانُ من حالٍ “غيرِ طبيعي” هو أمرٌ لا ينبغي أن يُغيِّبَه عن عقولِنا ما يُريدُنا العلمُ أن نشاركَهُ ظنَّه بـ “طبيعية” الإنسان! فالطبيعةُ ما كان ليصدرَ عنها كلُّ هذا الكَم من الإنحرافات عن مسارها الطبيعي. وهكذا فإنَّ إضطرارَنا إلى الإقرارِ بأنَّ الإنسانَ كيانٌ غيرُ طبيعي لابد وأن يجعلَنا لا نتفقُ مع ما يقولُ به العلمُ من أنَّ هذه الأرضَ تكفي للتعليلِ لنشوءِ وتطورِ وارتقاء الإنسان! فالإنسانُ، كما نعرفه، لا يكفي أن نقولَ إنَّ ماضيه التطوري لم يشتمل إلا على نشوءٍ له وارتقاء وإلا فإنه كان ليُصبحَ كائناً طبيعياً لا يُمازِجُ كيانَهُ هذا شذوذٌ عن الطبيعة ولا يُخالِطُهُ خروجٌ على قوانينِها التي يُطيعُها إطاعةً مطلقةً نباتُ الطبيعةِ وحيوانُها!
إذاً فلابد من أن يكونَ ماضي الإنسان التطوري مشتملاً على نشوءٍ وارتقاءٍ وانحدار حتى يكونَ بمقدورِنا أن نستوعبَ هذا الذي هو عليه الإنسانُ من تناشزٍ مع الطبيعةِ وخروجٍ على قوانينِها الطبيعية. ولما كانت هذه الأرضُ عاجزةً عن أن تُعلِّلَ لهذا الانحدار، الذي لابد لنا من أن نفترضَه حتى نُعلِّل لكلِّ ما هو غيرُ طبيعي في الإنسان، فإننا مضطرون والحالُ هذه إلى القولِ بأن هناك “أرضاً أخرى” كان للإنسانِ فيها ماضٍ تطوري انتهى به إلى هذا “الانحدار التطوري” الذي هو علةُ ما هو عليه الإنسانُ من “لاطبيعية”.
وهكذا يضطرُّنا التدبُّرُ في هذا الذي هو عليه الإنسانُ من “لاطبيعية” إلى وجوبِ الإقرارِ بالتفوق المعرفي لقرآنِ اللهِ العظيم الذي جاءنا، وقبل أكثر من 1400 سنة، بخبر هذه “الأرض الأخرى” التي كانت للإنسانِ فيها حكايةٌ وثَّقتها لنا آياتُه الكريمة وذلك بحديثهِ عن سُكنى آدم وزوجِهِ الجنة التي هي في حقيقتِها أرضُ السماء السابعة، أرضُ جنةِ المأوى.

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s