من مثالبِ القراءةِ المنطقيةِ للقرآنِ العظيم!

يُصِرُّ كثيرٌ منا على قراءةِ القرآنِ العظيم قراءةً منطقيةً، وذلك بذريعةِ أن “المنطقَ القرآني” ما كان له أن يخالفَ عن “المنطقِ البشري” طالما كان المنطقُ قانوناً يفرضُ سطوتَهُ من دونِ أن يكونَ لمنطقةٍ أن تستعصيَ عليه وتتمنَّع! وبذلك فلقد جرَّ هذا الظنُّ ما جرَّ على أهلِهِ من إخفاقاتٍ في فقهِ مُرادِ الكثير من آياتِ القرآنِ العظيم التي غابَ عنهم ما تنطوي عليه من معنى جراءَ هذا الإصرار. ولو أنَّ هذا البعضَ تدبَّرَ القرآنَ العظيم، مُغلِّباً منطقَهُ الإلهي على منطقِنا البشري، لكان بمقدورهم أن يحيطوا بمعنى الكثير من آياتَه الكريمة الإحاطةَ التي هي حظُّ متدبِّري هذا القرآن!
فوفقاً للقراءةِ المنطقيةِ للقرآنِ العظيم، فإن كلمة “نبي” هي ذاتُ معنى تتمايزُ به عن معنى كلمة “رسول”! ولقد بلغَ الأمرُ بهؤلاء المُصرِّين على أن يقرأوا القرآنَ العظيمَ قراءةً منطقيةً حدَّ الزعمِ بأنَّ العلاقةَ بين “النبي” و”الرسول” تُحدِّدُها قاعدةٌ أنزلوها منزلةَ الثوابتِ والمُسلَّماتِ والبديهيات مفادها: “كلُّ رسولٍ نبي ولكن ليس كلُّ نبيٍ رسولاً”! وهذا الذي خلُصَ إليه هؤلاء لَيتعارضُ مع صريحِ النصِّ القرآني المقدس الذي يتبيَّنُ لمتدبِّر آياتِه الكريمة ذات الصلة ألا أساسَ قرآنياً ولا أصلَ لهكذا قاعدةٍ مُفتراة! فالقرآنُ العظيم قد أبانَ عن حقيقةِ كونِ الرسولِ نبياً والنبي رسولاً، والأمرُ كلُّه لله فإن شاءَ أثبتَ النبوةَ تارة وإن شاءَ قالَ بالرسالة تارةً أخرى، وإن شاءَ ذكر كلاهما وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّر الآية الكريمة (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (51 مريم)، والآية الكريمة (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (54 مريم).
ولستُ أدري كيف فاتَ هؤلاءِ الذين يُريدونَ أن يُفرِّقوا بين رُسُلِ اللهِ وأنبيائِه أن يتبيَّنوا ما بالإمكان أن نقعَ عليه بتدبُّرنا الآية الكريمة 52 الحج (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). فهذه الآيةُ الكريمة تنصُّ صراحةً على أن اللهَ تعالى أرسلَ أنبياءً كما أرسل رُسُلاً!
أختم هذا المنشور بذكرِ مثالٍ آخر على ما جناهُ أصحابُ القراءةِ المنطقية علينا بقولهم إنَّ “السَّنةَ القرآنية” هي غير “العام القرآني”، وذلك في محاولةٍ منهم لتفسير ما جاءتنا به الآية الكريمة 14 العنكبوت (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ). ولو أنَّ هؤلاءِ “المناطقةَ” المتحذلقين أخضعوا عقولَهم لمنطقِ القرآنِ العظيم لتبيَّنَ لهم جلياً ألا فرقَ هناك على الإطلاق بين “السَّنة” و”العام” في القرآن العظيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s