الآخرةُ مُرادُ اللهِ منذُ الأزل!

يُخبِرُنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم استوى على العرش. كما ويُخبرُنا هذا القرآنُ أيضاً بأنَّ اللهَ خلقَ السمواتِ والأرضَ “بالحقِّ وأجلٍ مسمى”، وأن هذا الأجَلَ المسمى هو يومُ القيامةِ الذي قالَ فيه: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (104 الأنبياء).
إلا أنَّ ما ينبغي ألا يغيبَ عن البالِ هنا هو أنَّ الآخرةَ كانت حاضرةً في “الخطة الإلهية” واللهُ يبتدئُ أولَ خلقٍ. فاللهُ تعالى ما خلقَ السمواتِ والأرضَ إلا بالحقِّ الذي قضى بأنهما زائلتانِ بمجيءِ يومِ القيامة. ويُخطئُ كلُّ مَن ينظرُ إلى السمواتِ والأرضِ بعينٍ لا تتبيَّنُ حقيقةَ كونِهما قد خُلِقَتا لتزولا بمجيءِ يومِ القيامة. فاللهُ تعالى كان يُعِدُّ العدةَ للآخرةِ وهو يخلقُ اللَّبَنةَ الأولى من بنيانِ السمواتِ والأرض! فهذه الحياةُ الدنيا لم يخلقها اللهُ لذاتِها ولكنَّه تعالى خلقَها لتكونَ العالمَ الذي يسبقُ عالمَ الآخرة. وكلُّ مقاربةٍ لهذه الحياةِ الدنيا لا تتبيَّنُ حقيقتَها هذه محكومٌ عليها بالإخفاقِ الذريع وذلك لأنَّ فقهَ حقيقةِ الدنيا مشروطٌ بهكذا نظرةٍ إليها تُعينُ على أن تُبصَرَ وقائعُها وأحداثُها في سياقٍ ذي صلةٍ بمرادِ اللهِ تعالى من وراء خلقِها. فالدنيا خُلقَت للآخِرةِ خَلقاً يتعيَّنُ على العقلِ المؤمنِ أن يقاربَهُ المقاربةَ التي تقومُ على أساسٍ من كونِ الآخرةِ مرادَ اللهِ تعالى منذ الأزل.
إنَّ إصرارَنا على أن ننظرَ إلى هذه الحياةِ الدنيا بعينٍ لا ترى حقيقةَ “صِلتِها الخَلقية” بالآخرة هو العِلةُ من وراءِ عدمِ قدرتِنا على الانعتاقِ من أسرِها! فلو أننا أيقنَّا حقَّ اليقين أنَّ اللهَ تعالى ما خلقَ الحياةَ الدنيا إلا مأجولةً بأجَلٍ مسمى، وأن هذه الحياةَ الدنيا زائلةٌ لا محالة، وأن الآخرةَ آتيةٌ لا ريب فيها، لأصبحنا كما يُريدُنا اللهُ أن نكونَ: عبادَه المخلَصين الذين يتَّقونه حقَّ تُقاتِه!
إذاً لقد خلقَ اللهُ تعالى السمواتِ والأرضَ بإرادةٍ إلهيةٍ تضعُ الآخرةَ نُصبَ عينِها. فكلُّ الأحداثِ التي حدثت منذ أولِ خلقٍ خلقَهُ اللهُ تعالى إن هي إلا مفرداتٌ لخطةٍ إلهيةٍ قضت بأن تتجهَ مسيرةُ الخلقِ صوبَ الآخرة. ولو أننا كنا من أهلِ الأخرةِ لمكَّننا اللهُ تعالى من أن نتبيَّنَ في كلِّ ما يحدث لنا وحولنا أدلةً على أن الآخرةَ آتيةٌ لا ريب فيها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s