الحُكمُ حُكمُ الله

يشتملُ القرآنُ العظيم بين دفَّتَيه على جملةٍ من القوانينِ الإلهيةِ التي استقامَ عليها أمرُ الوجود. ومن هذه القوانين القانونُ الذي فصَّلته الآية الكريمة 57 الأنعام (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
ولقد وردَت صيغةُ هذا القانونِ الإلهي مرةً أخرى في موضعين اثنين من سورةِ يوسف: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (40)، (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (من 67).
إذاً فهذا القانون الإلهي “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” يقتضي منا وجوبَ أن نستيقنَ بأنَّ مقاليدَ الأمورِ وأَزِمَّتَها بيدِ اللهِ تعالى، فهو الحَكَمُ الذي يفعلُ ما يشاء ويقضي ما يُريد (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) (من 31 الرعد).
فالأمرُ ليس لي وليس لك حتى يكونَ ما نُريد. فاللهُ تعالى هو الذي خطَّ الأقدارَ من قبلُ، وليست حياتُنا إلا تجلياتٍ لإرادةِ اللهِ تعالى التي لها الكلمةُ العليا والتي يخضعُ لها الكونُ ولا تحدثُ الأحداثُ إلا بمقتضاها. ولذلك كان إتقانُ الإسلامِ يقتضي منا وجوبَ الإيقانِ بأنَّ الأحداثَ قد تجيءُ بما لا تشتهي أنفسُنا وإن حرصنا الحرصَ كلَّه! (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (من 253 البقرة)، (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (من 1 المائدة)، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (من 107 هود)، (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (من 14 الحج)، (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (16 البروج).
فما على العبدِ إذاً إلا أن يُتقِنَ التوكُّلَ على اللهِ فيُحسِنَ تفويضَ أمرِهِ إليه تعالى دون أن يُداخلَه شكٌّ في أنَّ اللهَ غالبٌ على أمرِهِ، وأنَّ الأمرَ كلَّه لله، وأن الحكمَ له تعالى فإن شاءَ أمضى إرادتَك فكان لك ما تريد، وإن شاء أمضى إرادتَه فكان ما يريد. والأمرُ في كلا الحالتين لله فلا تدري ما سيكونُ من أمرِك. ولذلك أمرَ اللهُ رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يقول: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) (من 9 الأحقاف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s