تدبُّرُ القرآنِ العظيم و”القراءةُ العقليةُ” لآياتِهِ الكريمة

تحدثتُ في منشورَين سابقَين عما لإصرارِنا على المبالغةِ في “القراءةِ المنطقية” و”القراءةِ النحوية” للقرآنِ العظيم من عظيمِ تأثيرٍ على “مقاربتِنا التدبُّرية” لآياتِهِ الكريمة. فإذا صحَّ لدينا أنَّ القرآنَ العظيمَ إلهيُّ الصنعة، طالما كان هو كلامَ اللهِ تعالى، فكيف يُعقَلُ والحالُ هذه أن نعتمدَ هاتين القراءتَين وسيلتَنا لتدبُّرِ آياتِهِ الكريمة؟! فالمنطقُ والنحو كلاهما من صنعِ عقلِ الإنسان الذي لابد لنا من ألا نبالغَ في تقديرِ قدراتِهِ التي وإن عظُمَت في أعيُنِنا فهي عندَ اللهِ مما يُستصغَرُ، وذلك بالمقارنةِ مع عظيمِ جلالِ قدرِه تعالى الذي صاغَ قرآنَه العظيم بحكمةٍ متعاليةٍ على العقلِ البشري.
فللقرآنِ العظيم منطِقُهُ الخاصُّ به، كما أن له نحوَه الخاصَّ به. ولن يُمكِّنَنا القرآنُ العظيمُ من آياتِهِ الكريمة إن نحنُ أصررنا على مقاربتِها مقاربةً منطقيةً ونحوية. فهاتان المقاربتان قد تُخفِقانِ في تمكينِنا من الوقوعِ على ما ينطوي عليه النصُّ القرآنيُّ المقدس من معانٍ ما كانت لتغيبَ عنا لو أننا أيقنَّا أن للقرآنِ منطقَه الخاصَ به، كما أن له نحوَه الخاصَ به. وهذا هو عينُ ما ينبغي ألا يغيبَ عن بالِنا ونحنُ نقرأُ القرآنَ العظيمَ قراءةً عقليةً لابد لنا من أن نقدِرَها حقَّ قدرِها دونَ بخسٍ لها ولا مبالغة. فعقلُنا البشري، وإن كان بمقدورِهِ أن يقعَ على “معقولاتِ” القرآنِ العظيم، فإنه عاجزٌ في الوقتِ ذاتِه عن أن يُحيطَ بما يشتملُ عليه هذا القرآنُ من “لامعقولاتٍ” تقتضي منا وجوبَ أن نرتقيَ بعقولِنا إلى مصافِها وذلك بأن نعيَ بدايةً استحالةَ أن يكونَ بمقدورِ عقلِنا المحدود خِلقةً وإدراكاً أن يُحيطَ بهذه “اللامعقولات” التي غُيِّبَ عنا إدراكُها طالما كانت هي من مفرداتِ عالَمِ الغيبِ الذي لم نُخلَق لنكونَ من شهودِهِ.
إذاً فالقراءةُ العقليةُ لآياتِ القرآنِ العظيم تقتضي منا وجوبَ أن نُدركَ الحدودَ الخَلقية للعقلِ البشري إدراكَنا لضوابطِهِ ومُقيِّداتِهِ المعرفية. ونحن إن أدركنا هذه الحدودَ والضوابطَ والمُقيِّداتِ فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نرتقيَ بعقولِنا ارتقاءً معرفياً يُمكِّنُها من أن تتفاعلَ مع النصِّ القرآني المقدَّس التفاعلَ الذي سيعودُ علينا بما سيجعلُنا أكثرَ قدرةٍ على أن نُحيطَ بما ينطوي عليه هذا النصُّ الإلهي ويشتملُ من معانٍ لن تغيبَ عنا أبداً إن نحن تدبَّرناها بهكذا عقولٍ راقية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s