تدبُّر القرآن العظيم و”القراءةُ النحويةُ” لآياتِه الكريمة

تحدثتُ في منشورٍ سابق عما جاءتنا به سورةُ محمد من خبرِ “أقفالِ القلوب” وكيف أنها تحُولُ دون أن يكونَ بمقدورِنا أن نتدبَّرَ القرآنَ العظيم تدبُّراً أمَرَنا اللهُ تعالى به (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص). ولقد ذكرتُ في ذلك المنشور أن “المنطقَ” هو واحدٌ من هذه الأقفال التي لا مناصَ من كسرِها كلِّها جميعاً حتى يُمكَّنَ قارئُ القرآن من تدبُّرِ آياتِهِ الكريمة.
ومن هذه “الأقفال القلبية” أيضاً إصرارُنا على أن نُقاربَ القرآنَ العظيم مقاربةً نحوية، وذلك وفقاً لما تقضي به وتحكمُ قواعدُ اللغةِ العربيةِ التي بين أيدينا. فهذه القواعدُ هي في حقيقتِها أحكامٌ وضوابطُ قُمنا نحنُ بصياغتِها صياغةً لا ينبغي أن نظنَّ فنتوهَّمَ أنها بمنأى عن كلِّ ما يجعلُ منها مضبوطةً بالتمامِ والكلية. ولذلك فإن هذه القواعد ستبقى مشوبةً بشائبةِ مَن قام بصياغتِها من عقلٍ بشري لا قدرةَ له على أن يتعالى على مُحدِّداتِه الخَلقية ومُقيِّداتِهِ المعرفية. ولذلك فإن إسقاطَ أحكامِ وضوابطِ قواعدِ اللغةِ العربية التي بين أيدينا على القرآنِ العظيم قد ينجمُ عنه ما ينأى بنا بعيداً عن إدراكِ المعنى الذي يشتملُ عليه نصُّهُ الإلهيُّ المقدس.
وسوف أوردُ في هذا المنشور مثالاً واحداً على ما للقراءةِ النحويةِ من قدرةٍ على الجنوحِ بنا بعيداً عن المعنى الذي كنا لنقعَ عليهِ بالضرورة لو أننا تدبَّرنا النَّصَّ القرآني تدبُّراً لا يعتمدُ ما تقضي به وتحكمُ قواعدُ اللغةِ العربيةِ التي بين أيدينا. لنتدبر الآية الكريمة 4 التحريم: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ). فالقراءةُ النحويةُ لهذه الآيةِ الكريمة تقتضي منا وجوبَ أن نقولَ بأنَّ موالاةَ اللهِ تعالى وسيدِنا جبريل والملائكةِ الكرام وصالحِ المؤمنين لسيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم “مشروطةٌ” بشرطِ تظاهُرِ من خاطبتهن هذه الآية الكريمة من نساء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أين هذه القراءة من القراءةِ المتدبِّرة لهذه الآية الكريمة، والتي تُمكِّنُنا من أن نتبيَّنَ المعنى الذي تشتملُ عليه وهو أنها تُذكِّرُ هؤلاء النسوة بعظيمِ قدرِ سيدِنا محمد وذلك بما فصَّلته وبيَّنته من موالاةٍ للهِ وسيدِنا جبريل والملائكة وصالح المؤمنين له صلى الله تعالى عليه وسلم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s