ما الذي تعلَّمَه موسى عليه السلام مما عُلِّمهُ الخَضِر عليه السلام؟

قد يظنُّ البعضُ أنَّ سيدَنا موسى عليه السلام لم يتأتَ له أن يتعلَّمَ من سيدِنا الخضر عليه السلام شيئاً! فهذا هو ما سوف تنتهي إليه لا محالة القراءةُ غيرُ المتدبِّرةِ لآياتِ سورةِ الكهف التي وثَّقت لما جرى بين هذين العبدين الصالحين! ويُدلِّلُ مَن يظنُّ هذا الظنَ الواهمَ على رجاحةِ ظنِّه بما جاءتنا به الآية الكريمة 78 على لسانِ سيدِنا الخضر: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).
غيرَ أنَّ للقراءةِ المُتدبِّرةِ لقصةِ موسى والخضر عليهما السلام أن تجعلَنا ننتهي إلى غيرِ ما انتهى إليه مَن قرأ هذه القصة بغيرِ تدبُّر. فسيدُنا موسى، ومن بعدِ أن تفارقَ هو وسيدُنا الخضر، أدركَ أنَّه قد وقعَ على كلِّ ما كان يصبو إلى الحصولِ عليه من علمٍ رشيدٍ جراء هذه الصحبة وذلك كما جاء في الآية الكريمة (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (66 الكهف). فلقد تبيَّنَ لسيدِنا موسى عليه السلام أنه بهذا الاتِّباعِ منه لسيدِنا الخضر قد تأتَّى له أن يُدرِكَ أنَّ ما ينبغي أن يكونَ عليهِ، حتى يرتقيَ بحالِهِ مع اللهِ تعالى إلى أحسنِها حالاً، هو لا أكثرَ من أن يصبرَ حتى يجيئه بيانُ وتأويلُ ما استعصى عليه تقبُّلُه من أمرٍ أو ظَرف.
وهذا الذي تبيَّنَ لسيدِنا موسى من علمٍ رشيد هو عينُ ما كان بحاجةٍ إليه حتى يُفارِقَ ما جُبِلَ عليه من مسارعةٍ إلى إبداء الرأي وتعجُّلٍ في إصدارِ الحكم! فلعلَّنا نذكرُ ما كان من أمرِهِ عليه السلام بُعيدَ عودتِهِ إلى قومِهِ غضبانَ أسِفا وكيف أنه ألقى ألواحَ اللهِ فكسرَها، وكيف أنه أخذ برأسِ أخيه يجرُّهُ إليهِ مُتَّهماً إياهُ بأنه قد شارك القومَ ضلالَهم وعبدَ العجلَ معهم! (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) (من 150 الأعراف).
إذاً فلقد أتاحَ اللهُ تعالى لسيدِنا موسى، بهذه الصُّحبة القصيرة لسيدِنا الخضر، أن يتبيَّنَ ما كان ينقصُهُ حتى يكونَ على أحسنِ حالٍ مع الله تعالى. وبذلك عادت تلك الصُّحبةُ المباركةُ على سيدِنا موسى بما جعل منه يفارق طبعَه ليتطبَّعَ بطابعِ الصبر الذي أيقنَ عليه السلام أنه قوامُ ما كان يصبو إليه من علمٍ رشيد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s