لماذا تفشل الرُّقيةُ الشرعية في علاج الممسوسين؟

لأشرارِ الجن من الشياطين أن يتسلَّطوا على مَن عاذَ بهم من أشرارِ البشر أو جُهَّالِهِم تسلُّطاً يتجلَّى للناظرين مسَّاً أشارت إليه الآيةُ الكريمة 275 البقرة (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ). و”الشيطانُ” في هذه الآية الكريمة هو ليس إبليس ولكنه أيُّ شيطانٌ من ذُريَّتِه من أشرار الجن، وذلك لأن إبليس لم يُجِزهُ اللهُ تعالى إلا بأن يقومَ بالتزيينِ والإغواء، وذلك مصداقَ قولِهِ تعالى (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (39- 40 الحجر).
ولقد جاءَ في سورة الجن ما بإمكانِنا أن نتبيَّنَ بتدبُّرِهِ ما يعودُ على الإنسانِ المتعوِّذِ بأشرارِ الجن من أذىً من بين تجلِّياتِه المَس (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (6 الجن). والمَسُّ، كما عرَّفَنا به قرآنُ اللهِ العظيم، هو ما يُشارُ إليه في الثقافةِ الشعبيةِ الغربية بـ “الاستحواذ” (Possession). إلا أن ما ينبغي أن نُشدِّدَ عليه هنا هو أن المقاربةَ الغربية للمَس قد أخفقت في تبيُّنِ حقيقتِهِ وذلك لأنها توهَّمت أنَّ ما يحدثُ هو استحواذٌ بالتمامِ والكلية يُستولى بمقتضاهُ على عقلِ وروحِ المُستحوَذِ عليه.
أما المقاربةُ القرآنية، فهي لا تقولُ إلا بأنَّ ما يحدثُ حقيقةً هو لا أكثرَ من “مَس” وذلك بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. فالممسوسُ من البشر يتسلَّطُ عليه واحدٌ أو أكثر من أشرارِ الجن تسلُّطاً لا يحتاجُ غيرَ لمسةٍ واحدةٍ من كيانِهم غير البايولوجي حتى يفقدَ التحكُّمَ ببدنِهِ وبعقلِه. وهذا يتنافى تنافياً تاماً مع ما ذهب إليهِ الخيالُ الشعبي الغربي من أنَّ “المُستحوَذَ عليه” من البشر تتملَّكُهُ هذه الكائناتُ غير البشرية بالتمام والكلية وذلك بأن تُداخِلَ كيانَه البايولوجي مداخلةً منها جاءت كلمة “الاستحواذ”!
وكما تفشلُ طقوسُ التطهير (Exorcism) وفقاً للمعتقدات الشعبية الغربية في إبراءِ المستحوَذِ عليه مما هو مضطرٌّ إلى أن يعانيَ منه جراء استحواذ الجنِّ عليه، فكذلك تفشلُ “الرُّقيةُ الشرعية” في علاجِ الممسوسين. فالأمرُ لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بـ “نصوصٍ” تُقرَأ على مسمعٍ من المُستحوَذِ عليه أو الممسوس، وذلك بغية إجبار “الروح الشريرة” أو الجن على الخروج منه أو مفارقته! فالرُّقيةُ الشرعية عاجزةٌ عن إبراءِ الممسوس عجزَها عن شفاء المدمنِ على المخدراتِ من إدمانه! ولتوضيح الأمر أكثر أقول إن الرقيةَ الشرعية لا قدرةَ لها على علاجِ الممسوسين كما أنها غيرُ قادرةٍ على أن تُعلِّمَ الجاهلَ كيف يقود سيارة!
وكنتُ قد ذكرتُ في منشورٍ سابق أنَّ “الحضورَ الملائكي” هو السبيلُ الوحيد لعلاجِ الممسوس وذلك لأنه يضطرُّ أشرارَ الجن إلى مفارقةِ كيانِه البايولوجي. وهذا “الحضورُ الملائكي” لا سبيلَ إليه إلا بأن نكونَ من الذين تؤيِّدُهُم الملائكةُ وذلك بأن تكونَ أولياءهم مصداق قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (30 -من 31 فصلت).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s