دُنياهم ليست كدُنيانا!

ما كان اللهُ ليجعلَ دنيا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ كدُنيا مَن انشغلوا عنه بالسفاسفِ والترهات! فنحن إن تصفَّحنا القرآنَ العظيم فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ ما حبا اللهُ تعالى به مَن كان من عباده المخلَصين من عظيمِ فضلٍ صيَّرَ دنياهُم دنيا ليست كمثلِها دنيا عجائبَ وغرائبَ وخوارقَ عاداتٍ يقِفُ العقلُ أمامها متحيراً مذهولاً! فالحديدُ الذي أنزلهُ اللهُ ذا بأسٍ شديد استحالَ ليِّناً مطواعاً بين يدَي سيدِنا داودَ عليه السلام (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (10 سبأ).
والنحاسُ، الذي كان يجتهدُ الحدادون حتى يُذيبونَهُ ليصنعوا منه ما يشاؤون، أسالَهُ اللهُ تعالى عينَ قِطرٍ لسيدِنا سليمانَ عليه السلام (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) (من 12 سبأ).
وطيرُ سيدِنا إبراهيم عليه السلام تقطَّعت أوصالاً وأضحتَ أشلاءَ ثم دبَّت فيهنَّ الحياةُ ما أن دعاهُن إليه سيدُنا إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (260 البقرة).
والرطبُ تساقطَ على السيدة مريم عليها السلام جَنياً، من النخلةِ التي هزَّتها إليها بجذعِها، في غير وقتِ إثمارِها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (25 مريم).
وعرشُ ملكةِ اليمن انتقلَ إلى فلسطينَ ليستقرَ عند سيدِنا سليمان عليه السلام بلمحٍ بالبصر (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (من 40 النمل).
فكيفَ تكونُ إذاً “دُنياهم كدُنيانا” ودُنيانا قائمةٌ بأسبابٍ هي غيرُ تلكَ التي تقومُ بها دُنياهم؟! فـ “دُنيانا” تسلَّطت عليها أسبابٌ استحالت بمقتضاها فأصبحت “دُنياهم”، وهذه الأسبابُ لن يكونَ بمقدورِنا أبداً أن نأملَ بأن تتسلَّطَ على دُنيانا حتى تكونَ كدُنياهم ما لم نتَّبِع خُطاهم فيكون حالُنا مع اللهِ تعالى كحالِهم عبادةً خالصةً لوجهِهِ الكريم وتقوى لا تُمكِّنُ غيرَ اللهِ من قلوبِنا!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s