نِعمَ العبدُ سليمان!

يُحدِّثُنا قرآنُ الله العظيم عن الإنسانِ حديثاً يُكشَفُ النقابُ بمقتضاهُ عن هذا الذي نُصِرُّ على التغافُلِ عنه من حقيقتِنا التي من بينِ مفرداتِها الصميمة ما فصَّلته الآية الكريمة 49 الزمر (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). فالإنسانُ منا إذا ما أنعمَ اللهُ تعالى عليه سارعَ إلى المجاهرةِ بالتباهي بأنَّ هذه النعمةَ إنما هي نتاجُ جهدِه وحصيلةُ سعيه! والإنسانُ بهذا التسبيبِ لرزقِهِ قد فاتَه ما كان قد فاتَ قارونَ من قبلُ! فقارونُ كان يفاخرُ بأنَّ ما هو عليه من نَعماء إنما أوتيه على علمٍ عنده (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (من 78 القصص).
وهذا الذي تأتى لقارونَ أن يؤتاه لا يُقارَنُ على الإطلاق بما آتاهُ اللهُ سيدَنا سليمانَ والذي سُخِّرَت له عليه السلام الدنيا بحذافيرِها. فيكفينا أن نستذكرَ بعضاً مما أنعمَ اللهُ تعالى به على سيدِنا سليمان وذلك بتذكُّرِنا الآيات الكريمة (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (16 النمل)، (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) (36 -38 ص).
قارِن ما يقولُه الإنسانُ متبجِّحاً بأنَّ هذا الذي أوتيه من مال إنما هو بسببٍ من كدِّه وجدِّهِ وسعيِهِ واجتهادِه بما قاله سيدُنا سليمان عليه السلام عندما رأى عرشَ ملكة اليمن مستقراً عنده في فلسطين: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (من 40 النمل). فمالُ الدنيا كلُّهُ لا قدرةَ له على أن يُؤمِّنَ انتقالَ عرشِ الملكة من اليمن إلى فلسطين بلمحٍ بالبصر!
وبذلك يتبيَّنُ لنا لماذا نعتَ اللهُ سيدَنا سليمان في القرآنِ العظيم بـ “نعم العبد” (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (30 ص). فكيف لا بكونُ سيدُنا سليمان نِعمَ العبد وهو الذي ما كان يرى في أنعُمِ اللهِ عليهِ إلا فضلاً منه تعالى عليه؟! فسيدُنا سليمان استحقَّ أن يَصِفَه قرآنُ الله العظيم بـ “نِعمَ العبد” لأنه كان يرى في كلِّ ما أنعمَ اللهُ تعالى به عليه من عجيبِ الفضلِ الإلهي وغريبِهِ نِعَماً تقتضي منه وجوبَ أن يكونَ من الشاكرين. لنتدبَّر الآيتين الكريمتين (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين) (18 -19 النمل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s