النفسُ البشرية إذ يتحداها اللهُ!

تحدثتُ في منشور سابق عن بطلانِ حُجةِ الرافضين لمصطلحِ “معجزات الأنبياء” وبيَّنتُ فيه أنَّ القرآنَ العظيم إذ هو “معجزةُ” سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه يُمثِّلُ تحدياً لكلِّ مَن يتجرَّأ ويتجاسرُ على نَصِّهِ المقدس بالتشكيكِ في إلهيتِه وذلك لما ينطوي عليه هذا النَّصُّ الإلهيُّ من تفوُّقٍ مُعجِزٍ مُتعدِّدِ الأوجُه.
والقرآنُ العظيم، إذ يتحدى المُشكِّكين في إلهيةِ نصِّهِ المقدَّس، فإنه يخاطبُ فيهم تلك النفسَ البشريةَ الممتلئةَ استعلاءً وغروراً، ولذلك فلا حجةَ لمن يقولُ بأن التحدِّي يقتضي وجوبَ أن يكونَ هناك تناسبٌ بين المُتحدِّي والمُتحدَّى! صحيحٌ أن الإنسانَ قد خُلِق ضعيفاً، كما تُخبِرنا به الآية الكريمة 28 النساء (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)، إلا أنَّ هذا الإنسانَ الضعيفَ جِبلةً وخِلقةً يشتملُ على نفسٍ أبيةٍ حَرون لها مكرٌ عرَّفتنا به الآيةُ الكريمةُ 46 إبراهيم (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).
فاللهُ تعالى يتحدى بقرآنِهِ العظيم، وبمعجزاتِ أنبيائِهِ الكرام، هذه النفسَ المزهوَّةَ المغرورة والتي جاءَنا هذا القرآنُ بالعديدِ من الآياتِ الكريمة التي يُبيِّنُ تدبُّرُها أنَّ القولَ بأنَّ اللهَ تعالى لا يتوجَّهُ إليها بخطابِ التحدِّي إنما هو قولٌ باطلٌ لا يُعتَدُّ به. فلقد جاءتنا سورةُ الرحمن بتحدٍّ إلهيٍّ لعمومِ الجِن والإنس أن يكونَ بمقدورِهم أن ينفذوا من أقطارِ السمواتِ والأرض وذلك في الآيتين 33 و35 منها (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) و(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَان).
كما وجاءتنا سورةُ الواقعة بتحدٍّ إلهيٍّ آخرَ توجَّهَ به اللهُ تعالى إلى مَن يُنكِرُ إلهيةَ قرآنِهِ العظيم أن يُرجِعَ روحَ المتوفَّى إن كان من الصادقين (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (83 -87 الواقعة).
كما وتضمَّنت سورةُ الواقعةِ أيضاً سلسلةً من التحدياتِ الإلهية التي تحدَّى اللهُ تعالى بها مُنكِري إلهيةِ القرآنِ العظيم وذلك كما يتبيَّنُ بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة منها (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُون. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) (58 -73 الواقعة).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة أنَّ مُنكِري مصطلح “معجزات الأنبياء” لم يتدبَّروا القرآنَ التدبُّرَ الذي لو أنَّهم قرأوا آياتِهِ الكريمة وفقاً له لما أنكروا المعجزةَ ولما قالوا في المعجزاتِ ما قالوا من باطلِ القول وزائفِه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s