“القرآنيون” يناقضون أنفسَهم وهم لا يشعرون!

تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن خطلِ الاحتكامِ إلى العقل وتحكيمِهِ في دينِ اللهِ تعالى وذلك لأن هذا الدينَ يتعالى على كثيرٍ من أحكامِ العقل ومقتضياتِهِ طالما كان اللهُ تعالى هو مَن أنزلَ هذا الدينَ الذي يَعجزُ العقلُ عن “التعامل العقلاني” مع كثيرٍ من مفرداتِهِ التي لم يُخلق هذا العقل ليُحسِنَ “التعاملَ المعرفي” معها. فدينُ اللهِ تعالى قائمٌ على أساسٍ من مفرداتِ “عالَم الغيب”: إلهاً واحداً هو الله، وملائكةً، ويوماً آخر، وكتباً إلهية، ورسلاً أُرسِلوا بهذه الكتب. ولذلك كان من الضروري أن يؤسَّسَ للتديُّن على أساسٍ من إقصاءِ العقل عن الخوض في “غيبيات” دينِ اللهِ تعالى. فكلُّ محاولةٍ لعقلنة هذه “الغيبيات” لن تنتهي بصاحبِها إلا إلى الخروج على جوهرِ رسالة هذا الدين. ومن ذلك محاولةُ “عقلنةِ” ما أيَّدَ اللهُ تعالى به رسلَه الكرام عليهم السلام من آياتٍ بيِّناتٍ مُفصَّلاتٍ اصطُلحَ على تسميتها بـ “معجزات الأنبياء”. فكيف يكونُ بمقدورِ العقل أن يستوعبَ بالتفسيرِ والتعليل ما أجراهُ اللهُ تعالى لسيدِنا موسى عليه السلام من معجزاتٍ تتنافى مع ما يحكمُ به هذا العقلُ ويقضي؟! وكيف لهذا العقل أن يُعلِّلَ لما أذِنَ اللهُ تعالى به لسيدِنا عيسى عليه السلام من إحياءٍ للموتى وإبراءٍ للأكمَهِ والأبرص ومن خلقٍ للطيرِ من الطين؟!
إن العقلَ مُلزَمٌ بأن يلزمَ “حدودَه المعرفية” فلا يتجرأَ على “غيبياتِ” دينِ اللهِ تعالى ويتجاسرَ عليها بالعقلنةِ والتعليلِ والتفسير، هذا إن نحن أردنا لهذا العقل أن يُعينَ صاحبَه على أن “يتديَّنَ” بدينِ اللهِ تعالى التديُّنَ المحمودَ الذي يريدُه اللهُ، والذي ما خلقَ الإنسانَ إلا ليُحسِنَ التديُّنَ به.
ولذلك فإنَّ ما قامَ به “القرآنيون” من تحكيمٍ للعقلِ في التراثِ النبوي، قد أوقعَهم في جملةٍ من التناقضاتِ التي كانوا لينؤوا بأنفسِهم عن الوقوعِ فيها لو أنهم أحجموا عن مقاربةِ هذا التراث بعقولِهِم التي أبداً لن يكونَ بمقدورِها أن تجزمَ باستحالةِ أن يكونَ هذا الحديث أو ذاك هو حقاً مما نطقَ به سيدُ الكائناتِ محمدٌ صلى الله تعالى عليه وسلم!
أختمُ فأقول: لقد فاتَ هؤلاء القرآنيينَ أيضاً أن يتبيَّنوا ما هم عليه من تناقضٍ صارخٍ أوقعهم فيه نسيانُهم ما جاءَ به ذاتُ القرآنِ، الذي نسبوا أنفسَهم إليه بقولِهم إنهم “قرآنيون”، من أوامرَ إلهية تنصُّ على وجوبِ إطاعةِ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم إطاعةً يتكفَّلُ التقصيرُ فيها بجعل المقصِّرين يُخلَّدونَ في نارِ جهنمَ وبئس المصير (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين) (13 -14 النساء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s