لغوياتٌ قرآنية (Quranic Linguistics)

لا ينفكُّ القرآنُ العظيم يُقدِّمُ لنا الدليلَ تلوَ الدليل على صدقِ ما جاءنا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أن القرآنَ كتابٌ لا تنقضي عجائبُه. فمن عجائب القرآن أنك تجدُ نفسكَ مضطراً بين الحينِ والآخر إلى التعرُّفِ على أوجُهٍ له تجعلك تتفاجأ كيف أنك لم تنتبه إليها من قبل! ومن ذلك ما يندرجُ ضمن ما بإمكاننا أن نُطلقَ عليه تسمية “اللغويات القرآنية” (Quranic Linguistics).

فهذا المبحث القرآني يضطرُّنا إلى التأسيسِ له والبحثِ فيه ما تُلجؤنا إليه كلماتٌ قرآنيةٌ جليلة يُعينُ تدبُّرُها على التأثيلِ لها وذلك بدلالةٍ من كلماتٍ قرآنيةٍ أخرى تُشاركُها ذاتَ الأصلِ والمُحتَد. لنتدبر الآيتين الكريمتين 17 -18 الدخان (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِين). فالمُخاطَبُ في هاتين الآيتين الكريمتين هو فرعونُ وقومُه الذين سألهم سيدُنا موسى عليه السلام أن يُخلُّوا سبيلَ عباد الله (أي بني إسرائيل). فعبارة “أدُّوا إلي” تعني: “آتوني”، “أعطوني”. ويؤيد هذا الذي تضطرُّنا اللغويات القرآنية إلى القول به ما جاءتنا به الآية الكريمة (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ) (من 47 طه).

إذاُ فكلمة “أدى” هي ذاتها كلمة “آتى” وهما لا تختلفان في شيءٍ على الإطلاق عن كلمة أعطى. فكلمة: أدى، وآتى، وأعطى كلها بمعنى. وبذلك يتبيَّن لنا ما للغويات القرآنية من عظيمِ دورٍ في تبيان معاني الكثير الكثير من العبارات القرآنية الجليلة التي ينبغي أن تُقارَب على ضوءٍ وهَديٍ من “التقارب البُنيوي” بين كلماتها الحاكمة. ومن ذلك، وعلى سبيل المثال، فإن الآية الكريمة (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) لها أن تعني “أن تُئتوها وتعطوها أهلَها”.

ومثالُ آخر على ما لهذه اللغويات القرآنية من قدرةٍ على تبيان معاني الكلمات القرآنية الجليلة هو ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة 14 النبأ (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا). فالماءُ الذي يُنزلُه اللهُ من السماء يشقُّ الأرضَ فيخرجُ الزرعُ منها (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (25 -31 النبأ). إذاً فتدبُّرُ هذه الآيات الكريمة يقتضي منا وجوبَ أن نستذكرَ أنَّ الكلمات: “شقَّ”، و”شجَّ”، و”ثجَّ” كلها جميعاً بمعنى. وهذا يُحيلُنا إلى استذكارِ العبارةِ القرآنيةِ الجليلة (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (من 27 الحج). فالفجُّ هو الشقُّ وهو الطريقُ الضيِّق.

ولا يسعني أن أنهي هذا المنشور قبل أن أُذكِّرَ بمثالٍ آخر على ما للغويات القرآنية من يدٍ طُولى تُعين على فقهِ وفهمِ أسرارِ وخفايا وخبايا قرآنِ الله العظيم. لنتدبَّر الآية الكريمة: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي) (9 الفجر). فعبارةُ “جابَ الصخرَ” تعني “قطَعَه”، وكلمة “جاب” هي ذاتُها كلمة “جَبَّ” والتي تعني اجتزَّ وجزَّ وقطعَ. وكلنا يذكرُ حديثَ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم “الإسلامُ يجبُّ ما قبله”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s