ضوابط التفكير وأحكام التعبير

ما كان لكثيرٍ من مشكلاتِ الإنسان العقائدية والفلسفية أن تنشأَ وتتفاقَمَ وتستعصيَ بالتالي على الحل لولا أن الإنسانَ أطلقَ لعقلِه العَنانَ يفكِّرُ دون أيةِ ضوابطَ، ولولا أنه أباحَ للسانِه أن يتكلمَ دون أيةِ أحكام!

فالإنسانُ يعتقدُ واهماً أن لعقلِهِ أن يصولَ ويجولَ في ميادين الفكر دون أيِّ ضابطٍ يتوجَّبُ عليه أن يُقسِرَ عقلَهُ على التقيُّدِ بما يقضي به حتى لا يضطَّرَه هذا التحرُّرُ الفكري إلى الخوضِ فيما لا ينبغي له أن يخوضَ فيه! فالإنسانُ بهذا التحرُّر الفكري من كلِّ ضابطٍ منهجي يكونُ مُلزَماً بأن يظنَّ ويتوهَّمَ أنَّ كلَّ ما هو قادرٌ على أن يُفكِّرَ فيه لابد وأن يكونَ له بالضرورة وجودٌ “واقعي” أو “حقيقي”! فالفكرةُ كائنةٌ ما كانت لابد من أن يكونَ لها من الوجود ما هو كفيلٌ بأن يُحتِّمَ على الإنسانِ أن يظنَّ أنها لا يمكنُ أن تكونَ من بناتِ أفكارِهِ هو فحسب، وذلك مادامت هذه الفكرة قد ظهرت في عقلِهِ! وسوف يكون لهذه الفكرة ما يُعزِّزُها ويُمتِّنُ من وجودِها إن هو نطقَ بها وتحدَّثَ عنها!

وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ هذا الإصرارَ من جانب الإنسانِ على تصديقِ كلِّ ما يُفكِّرُ به عقلُه وينطقُ به لسانُه لابد وأن ينجمَ عنه “يقينٌ” يفتقرُ إلى أيِّ سندٍ واقعي وبرهان حقيقي! فكم من المشكلات العقائدية والفلسفية ظهرت واستعصت على الحل بسببٍ من هذا اليقينِ الزائف؟! ولذلك فإن الأمرَ لَيقتضيَ منا وجوبَ أن نقيِّدَ تفكيرَنا بضوابطَ تحولُ دونَ أن يتخبَّطَ في متاهات الأفكار غيرِ السوية، وأن نتحكَّمَ بألسنتِنا فلا يكونُ لها أن تنطقَ بما تشاء دون أيةِ أحكامٍ تحولُ دون أن تتحدَّثَ بما ليس له إلا أن يُفضيَ بنا إلى مزيدِ تخبُّطٍ في دياجيرِ الأوهامِ والضلالات!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s