التعاطف وكوابح العدوان!

ما كان اللهُ ليجعلَ من العدوانِ سيفاً مسلطاً على عنقِ الطبيعة، دون أن يجعلَ هناك من كوابحِ هذا العدوان ما هو كفيلٌ بتوهينِه وتلطيفِه وتضبيطِهِ حتى لا يطغى. فالعدوانُ في عالمِ الطبيعة قد ضبَّطته يدُ القدرةِ الإلهية فجعلته موزوناً مقدوراً بالقدر الذي تحتاجُه كائناتُ الطبيعة حتى يتأتى لها أن تنتشرَ في عمومِ أرجاءِ كوكبِنا الأرضي دون أن يطغى فردٌ على آخر، ودون أن يُبيدَ نوعٌ نوعاً آخر. ولذلك غرزَ اللهُ تعالى في الطبيعةِ من “كوابحِ العدوان” ما هو كفيلٌ بأن يجعلَ من كائناتِها تتعايشُ فيما بينها تعايشاً يشوبُهُ هذا العدوانُ المنظِّمُ لتفاعلاتِها البينية أفراداً وأنواعاً. ومن بين آليات كبح العدوان في عالم الطبيعة تبرزُ “تقنية التعاطف” متبوأةً الصدارةَ في قائمةِ هذه الآليات التي ليس باليسيرِ إحصاءُ مفرداتِها.

ولقد ورث الإنسانُ من ماضيه الحيواني هذه التقنياتِ كلَّها جميعاً، فكان أن أصبح الإنسانُ عطوفاً متعاطفاً لا لشيء إلا لأن في ذلك ما يتكفَّلُ بكبحِ عدوانِه وتوهينِه وتلطيفِهِ حتى لا تخرجَ الأمورُ عن السيطرة. فـ “التعاطف الإنساني” هو صورةٌ عن “التعاطف الحيواني”، وهو لذلك يحملُ بين طيَّاتِهِ آثاراً من تلك الآلية التي أُريدَ بها ألا يذهبَ الإنسانُ بعيداً في عدوانِهِ وإلى الحد الذي يجعلُ منه يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء! إلا أن أكلَ الإنسان من شجرة الجنة التي نُهي عنها نجم عنه ما جعل منه عاجزاً عن التقيُّد بعدوانٍ مكبوحٍ متوازنٍ منضبط وذلك بسببٍ مما ألحقته هذه الأكلةُ الآثمة من أذىً طالَ بُنيتَه الفسيولوجية ونالَ من آلياتِ كبح العدوان فيها فكان أن أصبح الإنسانُ يُعادي أخاهُ الإنسان عدواناً منفلتاً من أيةِ ضوابط ذاتية! ولقد استدعى ذلك الفشل في تفعيل آليات كبحِ العدوان أن يُصارَ إلى إجبار الانسان على الانصياع لقوانين وضعية، تواضعت عليها المجتمعات البشرية، وذلك كيما يتأتى للإنسان أن يرتدعَ عن المُضي قدُماً بإمضاءِ “إرادتِهِ العدوانية” وذلك مخافةَ أن تطالَه يدُ هذا القانون الوضعي!

إن “التعاطفَ الإنساني” وإن كان عاجزاً عن كبحِ جماح العدوان البشري، إلا أنه يبقى واحداً من تلك الآثار التي تخلَّفت عن ماضينا الحيواني فكان لها أن تُجمِّلَ واقعَنا الإنساني البغيض بهذا الذي يجعلُنا معشرَ البشر نتعاطف فيما بيننا وذلك على الرغمِ من كلِّ ما يدفعُنا إلى أن يُعاديَ بعضُنا بعضاً!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s