لا خلافةَ للإنسان في الأرض!

يُصرُّ أصحابُ التفسير التقليدي للدين على قراءةِ النَّص القرآني المقدس دون تدبُّرٍ، فينتهي بهم الأمرُ إلى الوقوعِ على ما يظنون أنه تأويلُه وما هو بتأويله! فقراءةُ القرآنِ العظيم دون تدبُّرٍ توقِعُ القارئَ في أخطاءٍ جسيمة وذلك لأنها تُفسِحُ المجالَ أمامَ عقلهِ ليصولَ ويجولَ في متاهاتِ وغياهبِ الظنونِ والأوهام والأفكارِ المسبقة والأحكامِ الجاهزة! ولا أدلَّ على ذلك من قراءة هؤلاء للآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فمن أين جاء أصحابُ التفسير التقليدي للدين بهذا التقرير منهم بأن الإنسانَ هو المقصودُ بهذه الخلافة التي تتحدث عنها هذه الآيةُ الكريمة؟!

إن تدبُّرَ السياقِ القرآني الذي يبتدئ بهذه الآية الكريمة وينتهي بالآية الكريمة 39 من السورة ذاتها، كفيلٌ بتفنيدِ هذا الزعم من جانبِ هؤلاء الذين يُصرُّون على الإعراضِ عن تدبُّرِ القرآنِ العظيم مخافةَ أن يضطرَّهم ذلك إلى تغليب “النَّص” على “العقل”! فهذا السياق القرآني يؤكِّدُ حقيقةً مفادُها أن الخليفةَ هو سيدُنا آدم وليس أحداً آخرَ غيره، وأن هذه الخلافة لم يُختَص بها أحدٌ غيرُه من بَنيه، وذلك لأنها خلافةٌ مخصوصةٌ مشروطةٌ بشرائطَ حدَّدها سياقُ الأحداثِ التي استلزمت وجوبَ أن يتدخَّلَ اللهُ تعالى تدخلاً مباشراً وذلك للإجهازِ على مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء فلا يبقى من بعدهم أحدٌ آخر غير سيدنا آدم خليفةً من بعد هلاكِ القوم المفسدين.

إن خلافةَ سيدِنا آدم لمن سبقَه ممن كانوا يُفسِدون في الأرضِ ويسفكون الدماء لا ينبغي أن يُساءَ فهمُها فيُظنَّ بها غير الحق، ظن المبالغين والمُغالين! فبمقتضى هذه الخلافة قُدِّرَ لسيدِنا آدم وقُيِّضَ أن ينجوَ من عذابِ اللهِ الذي أتى على مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء. ولذلك فهذه الخلافة لا شأنَ لها من قريبٍ أو بعيد بما يُصرُّ أصحابُ التفسيرِ التقليدي للدين على إسباغِهِ عليها وتحميلِهِ لها من معانٍ تُفصِحُ عما تُضمِرُهُ قلوبُهم من حرصٍ على الدنيا وتكالبٍ عليها تذرُّعاً منهم بأن هذا الشغف منهم بالسلطةِ والرياسة والزعامة يُردُّ إلى ما يقولون به من حظٍّ لهم ونصيب في خلافةِ أبيهم آدم عليه السلام!

إن خلافةَ سيدنا آدم عليه السلام في الأرض مرحلةٌ اقتضتها ظروفُ الإجهازِ على مَن كان يُفسِدُ في الأرض ويسفكُ الدماء، ولقد انتهت تلك المرحلة بعروجِ سيدِنا آدم إلى جنةِ المأوى التي لم يطُل به المقامُ فيها، إذ سرعانَ ما أعاده إلى الأرضِ تارةً أخرى أكلُهُ من شجرتِها التي نهاهُ اللهُ عنها ليبدأ هو وبنوهُ مسيرةً لا ينبغي أن يُساءَ فهمُها فيُقالَ إنها كانت وفق “قدَر الاستخلاف”؛ هذا القدَر الذي أبانت لنا سورةُ النور عن كونِهِ مشروطاً بشرط الإيمان بالله والعمل الصالح (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) (55 النور).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s