ما الذي قصدَ إليه سيدُنا يوسف بقوله “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”؟

يقومُ الإشراكُ باللهِ تعالى على أساسٍ من ظنٍّ يتوهَّمُ أصحابُه أنَّ أمورَهم تتنازعُها آلهةٌ متفرِّقة، وأنهم والحالُ هذه لابد من أن يُخلِصوا لها دينَهُم حتى ترضى عنهم! ولقد توجَّه سيدُنا يوسفُ عليه السلام إلى صاحبَي سجنِهِ بحجةٍ تُفنِّدُ هذا الأساسَ الذي أقامَ الإشراكُ باللهِ تعالى عليه بُنيانَه المتداعي والآيلِ للإنهيار. ولقد فصَّلت لنا الآيتان الكريمتان 39 -40 من سورة يوسف هذه الحجة التي يتكفلُ تدبُّرُها بتبيانِ الحال الذي هو عليهِ بُنيانُ المشركين (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). فهذا البُنيانُ متداعٍ منهارٌ وذلك كما وصفته الآية الكريمة 109 التوبة (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

ولقد أبانَ سيدُنا يوسفُ لصاحبَي سجنه أن هذه الآلهة التي يعبدون ما هي إلا أسماءٌ بلا مُسمَّيات، وأنها لا تملكُ بالتالي أيةَ سلطة على مَن توهَّمَ خلافَ ذلك فانبرى لها بالتمجيدِ والتقديس! فالأمرُ كلُّه لله، والحكمُ كلُّه لله، ولذلك فإن اللهَ هو مَن ينبغي أن يتوجَّهَ إليه الناسُ بالعبادةِ المخلصة طالما لم يكن لأحدٍ آخر غيرِ الله أن يتحكَّمَ بأقدارِ الناسِ ومصائرهم. فالحكمُ حكمُ الله والقدرُ قدرُ الله، فهو الذي يُسلِّطُ العبادَ على العباد وهو مُسبِّب الأسباب.

وبذلك يتبيَّنُ لنا أن ما قصدَ إليه سيدُنا يوسفُ عليه السلام هو أبعدُ ما يكون عن كلِّ ما يظنُّه مُسيِّسو الإسلام من الذين اتخذوا من “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” تعِلَّةً ليُسوِّغوا بها لمقاربتهم السياسية للإسلام؛ تلك المقاربة التي جرَّت على البلادِ والعباد ما جرَّت من المصائبِ والويلاتِ، والتي هي وفقاً لما جاءَنا به القرآن ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s