في معنى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”

تحدثتُ في المنشور السابق عما كان يقصدُ إليه سيدُنا يوسفُ عليه السلام بقوله “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”، وذلك في سياق ما دارَ بينه وبين صاحبَي سجنه من حديثٍ وثَّقته سورة يوسف. ولقد بيَّنتُ في ذلك المنشور أنَّ ما قصدَ إليه سيدُنا يوسف هو عينُ ما كان قد قصدَ إليه أبوه سيدُنا يعقوب عليه السلام بقولِهِ “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” وذلك في الآية الكريمة 67 من سورة يوسف، والذي سبق لي وأن أفردتُ له منشوراً على هذه الصفحة.

وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى تبيانِ أن هذا الذي قصدَ إليه كلٌّ من سيدنا يعقوب وسيدنا يوسف هو ذاتُ ما بإمكاننا أن نتبيَّنه إن نحن تدبَّرنا الآية الكريمة 57 من سورة الأنعام والتي تشتملُ على ذات العبارة القرآنية الجليلة “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ). فهذه الآية الكريمة تقطعُ بأنَّ ملكوتَ كلِّ شيءٍ هو بيد الله، وأن الأمورَ مقاليدُها بيمين الله، وأن إلى اللهَ تصيرُ الأمور وترجع. وهذه كلُّها حقائقُ تذكِّرُ بما جاء الإسلامُ ليؤكِّدَه من ألا إلهَ إلا الله وألا حكمَ لأحدٍ سواه، وذلك طالما كان كلُّ شيءٍ يدينُ بالطاعةِ للهِ خالقِه ومولاه. وبذلك تفنِّدُ هذه الآية الكريمة دعاوى المشركين من أنَّ لغيرِ الله فيهم ما يوجبُ عليهم أن يتوجَّهوا إليه بالتضرُّعِ والتعبُّد! فإذا كان اللهُ هو الإلهُ الواحدُ الأحد الذي بيدِه الأقدارُ والمصائرُ كلُّها جميعاً، فما حاجتُنا بالتالي إلى آلهةٍ أخرى؟!

وبذلك تؤكِّدُ عبارة “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” كلَّ هذا الذي جاء به الإسلامُ من وجوبِ إخلاصِ الدينِ لله الذي له الحكمُ وهو المتحكمُ الوحيد في الوجودِ وفي كلِّ موجود. فاللهُ تعالى هو من ينبغي أن نتوجَّه إليه عابدين متضرِّعين، وذلك طالما لم يكن لغيره من سلطةٍ علينا إلا بإذنه، فهو إذاً مَن ينبغي أن نخاطبه وهو من يتوجَّب علينا أن نلتمسَ لديه ما يُمكِّننا من التحرُّر من تسلُّط مَن أخضَعَنا لسطوته بإذنه.

وهكذا تتساقطُ كلُّ الحُجج الداحضة الواهية التي استند إليها الداعون إلى تسييس الإسلام بتأويلهم غيرِ الموفَّق لـ “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s