سناءُ البرقِ الباهر في حقيقةِ أسلافِنا الأواخر

تحدثتُ في المنشور السابق عن تصورٍ لنشوءِ وارتقاءِ وانحدار الإنسان كما تضطرُّنا إلى القولِ به حقيقتُه التي تأبى إلا أن تتكشَّفَ لمتدبِّر ما جاءَنا به القرآنُ العظيم من إشاراتٍ بشأنه يؤيِّدُها ماضيهِ ويشهدُ لها حاضرُهُ بأنها حقيقتُهُ الحقة حقاً.

وفي هذا المنشور سوف أتحدثُ عن ذلك الجانب من “حقيقتِنا البشرية” والذي نُصِرُّ على غضِّ الطَّرف عنه بهذا الإلحاحِ منا على أننا إما أن نكونَ قد خُلِقنا خلقاً لحظياً من التراب مباشرة، هذا إن كنا نقول بما يذهبُ إليه التأويلُ السائد للنَّص الديني المقدس، أو أننا قد تدرَّجنا في التطور والارتقاء من حيوانٍ إلى آخر حتى انتهى بنا الحالُ إلى هذا الإنسانِ العاقل الذي نُفاخِر الوجودَ برجاحةِ عقلِه وسلامةِ أحكامِهِ، هذا إن كنا نذهبُ مذهبَ القائلين بألا ماضيَ للإنسان غيرَ ماضيه الحيواني!

فلا القولُ بالخلقِ اللحظي من الطين مباشرة، ولا القولُ بأوحدية ماضينا الحيواني، بقادرٍ على أن يُعلِّلَ لهذا الذي نحن عليه معشرَ البشر من تفرُّدٍ في القدرةِ على إحداثِ ما لا قدرةَ لمخلوقٍ آخر على التسبُّبِ به من إضرارٍ بالأرضِ وبمن فيها وما فيها إفساداً هو في حقيقتِه “الخروجُ الأعظم” على سُنَنِ اللهِ وقوانينِه التي دون التقيُّدِ بها يشيعُ الفسادُ ويعمُّ الخراب! فمن أين إذاً تأتى للإنسان أن يكونَ على هذا القدر من المقدرة على أن يعيثَ في الأرضِ فساداً ودماراً وخراباً؟ وكيف يكونُ بمقدوره أن يتسبَّبَ بكلِّ هذا القدر من الضررِ والأذى لنفسِهِ وللآخرين؟!

إن تدبُّرَ ما هو عليه الإنسان وما هو قادرٌ عليه ليضطرُّ المتدبِّرَ إلى وجوبِ الإقرار بأن هناك جانباً من حقيقتِنا البشرية لابد من التعليلِ له بأنَّ هناك في ماضينا صفحةً لا مناصَ لنا من أن نفترضَ أنها قد سُطِرَت بما لا رغبةَ لنا في القبولِ به وذلك لتناقضِهِ مع تلك “الصورة الوردية” التي نحملُها في عقولِنا عن “حقيقتِنا”، والتي لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بالحقيقة!

إذاً لابد لنا والحالُ هذه من أن نفترضَ أنَّ “ماضينا الحيواني” إنما ينطوي على هذه الصفحة التي توجَّبَ على الإنسانِ فيها أن يُصبِحَ سليلَ كائناتٍ خرجت على الطبيعة يومَ أُصيبَت إصابةٌ فايروسية صيَّرتها وحوشاً تُفسِدُ في الأرضِ وتسفِكُ الدماء! وإذا كان داروين، ومن لفَّ لفَّهُ من القائلين بالتطور البايولوجي، قد أرجعوا أصلَ الإنسانِ إلى قردٍ، فإن هذه الصفحة من ماضينا الحيواني تضطرُّنا إلى وجوب القول بأن ذلك القرد لابد وأن يكونَ مجنوناً وذلك حتى يتسنى لنا أن نعلِّل لكلِّ هذا “الخبال العدواني” الذي هو عليه الإنسان!

وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ التدخُّل الإلهي المباشر في “تصيُّر” الإنسان قد اقتضاهُ إصلاحُ ما كانت قد ألحقتهُ تلك الإصابةُ الفيروسية في كيانِهِ من أضرارٍ استدعت نفخةَ “كُن فيكون” ليصبحَ من بعدها الإنسانُ بشراً في أحسنِ تقويم. إلا أنَّ ما هو عليه الإنسانُ اليومَ من حالٍ يتناقضُ مع خِلقةِ “أحسنِ تقويم” هذه لَيقتضي منا وجوبَ القول بأن هناكَ “شيئاً آخر” قد حدث فجعلَ منه يُرَدُّ إلى ما كان عليه من حالٍ سقيمٍ قبل أن يرتقيَ به اللهُ إلى أحسنِ تقويم!

وهذا هو ما سأتحدثُ عنه إن شاء الله في المنشورِ التالي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s