لا يعلمُ التاريخَ إلا الله!

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ بعقلٍ محدود القدرات مُحدَّداً بحدودٍ معرفية لا قدرةَ له على التحرُّرِ منها. ولقد قيَّدَ اللهُ تعالى العقلَ البشري بهذه “الحدودِ المعرفية” التي يُخطئُ الإنسانُ إذ يظنُّ ويتوهَّم أنه قادرٌ على التحرُّرِ منها ليصولَ ويجول باحثاً عن الحقيقة، ومن ذلك ما يظنُّ الإنسانُ أنَّه قادرٌ على الوصول إليه مما غيِّبَ عنه من غَيبٍ لا يعلمُهُ إلا الله! ويندرجُ ضمن هذه “المغيَّبات” ما حدثَ في الماضي من أحداثٍ نظنُّ أنَّ بمقدورِ عقلِنا أن يُحيطَ بها بمقاربتِه “التاريخية” لها. فالتاريخ هو ليس كما نظن، وذلك لأنه لن يكونَ بمقدورِنا أبداً أن نتمكَّنَ من معرفةِ ما حدثَ في الماضي المعرفةَ التي بمقتضاها يحقُّ لنا أن نجزمَ بيقين أنَّ هذا الذي نظنُّ أنه حدث قد “حدثَ” حقاً!

ولذلك يُنبِّهنا القرآنُ العظيم إلى وجوبِ ألا ننسى أن الماضي غيبٌ لم يُقدَّر لنا أن نعلمَه وأن وسيلتَنا الوحيدة إلى معرفته هي ما يُعرِّفُنا اللهُ تعالى به منه (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49 هود)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (102 يوسف)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون) (44 آل عمران).

ولقد جاء في القرآن العظيم ما يفيدُ بأن هناك رسلاً آخرين غيرَ الذين وردت قَصَصَهم فيه (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (من 78 غافر). كما أن هناك من الأقوامِ التي كذَّبت رُسُلَ الله فكان حقيقاً على اللهِ أن يُنزِلَ بساحتهم ما أنزلَه بساحةِ عادٍ وثمودَ وقومِ لوط (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (من 9 إبراهيم).

يتبيَّنُ لنا إذاً أن “التاريخ الحقيقي” شيء، والتاريخ الذي نظنُّ ونتوهَّم شيءٌ آخر، وأنَّ اللهَ تعالى هو وحدَه مَن يعلم ما حدثَ حقاً، وأن مقاربَتَنا للتأريخ لن يُكتبَ لها أبداً أن تُمكِّنَنا من معرفةِ ما غيَّبَهُ اللهُ تعالى عنا!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s