مفرداتٌ قرآنيةٌ تنطوي الواحدةُ منها على قصةٍ كاملة!

للقرآنِ العظيم تفوقٌ معرفيٌ يتبيَّنُ لمتدبِّرهِ بهذا الذي ميَّزَ اللهُ تعالى به نصَّه الإلهي المقدس فجعلَه يشتملُ على كلماتٍ إن أنت تمعَّنتَ فيها مُكِّنتَ من أن تحيطَ بما يحتاجُ منك صفحاتٍ كثيرة حتى يكون بمقدورك أن تفي القصةَ حقَّها ومستحقَّها! ومن بين هذه الكلمات القرآنية الجليلة التي تُمكِّن متدبِّرَها من أن يُحيطَ بما يتعذَّر إحصاؤه من الخفايا والخبايا والأسرار تبرزُ كلمتا “رددناه” و”اصطفى”. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (4 -6 التين)، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (33 آل عمران).
فالتمعُّنُ في كلمة “رددناه” من سورة التين أعلاه يُميطُ اللثامَ فيكشفُ النقابَ عن حقيقةٍ مذهلةٍ صادمة تخصُّ نشوء وارتقاء وانحدار الإنسان! فاللهُ تعالى يُنبؤنا بهذه الكلمة القرآنية الكريمة بأنه قد ردَّ الإنسانَ إلى ما كان عليه قبل أن تمتدَّ إليه يدُ رحمتِه فتنتشلَه مما كان عليه من تخبُّطٍ في دياجير ومتاهات الضلال المبين وولوغٍ في الدماءِ سفكاً لها وإفساداً في الأرض! فالإنسانُ كان في “أسفلِ سافلين” فكان أن امتدَّت إليه يدُ اللهِ لترتقيَ به فتجعلَه في “أحسنِ تقويم” ترفُّعاً وتعالياً عن كلِّ ما كان عليه قبل امتدادِ رحمةِ اللهِ إليه. ثم أن اللهَ تعالى ردَّ الإنسانَ إلى هذا الذي كان عليه من ضلالٍ بعيد، وعدوانٍ ظالمٍ مقيت، فجعله ذلك يعودُ القهقرى من جديد إلى ما كان عليه من “أسفل سافلين”.

ويؤكِدُ ذلك تدبُّر كلمة “اصطفى” من سورة آل عمران أعلاه، إذ أنه يُلقي الضوءَ على حقيقةٍ مفادها أن سيدَنا آدم عليه السلام كان يعيش بين ظهراني قوم كانوا يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء كما وصفتهم الملائكة الكرام عليهم السلام في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) (من 30 البقرة). إذاً فسيدنا آدم اصطفاهُ الله واجتباه وجعله خليفةً في الأرض من بعد أن تدخل تدخلاً مباشراً نجم عنه هلاكُ مَن كان من قومه يُفسِدُ في الأرض ويسفك الدماء.

وبذلك يتبيَّن لنا بتدبُّر هاتين الكلمتين القرآنيتَين الجليلتين: “رددناه” و”اصطفى” أن بإمكاننا أن نُلملمَ خيوطَ الأحداث التي جرت في ماضي البشرية السحيق لننسج منها روايةً قرآنيةً متكاملة تُعينُنا على تبيُّن ما حدث فجعل منا ما نحن عليه اليوم! فسيدُنا آدم كان يعيشُ وسط قومٍ يُفسِدون في الأرض ويسفكون الدماء. ولأنه لم يكن مشاركاً لهم في هذا الذي كانوا عليه، فإن اللهَ تعالى تغمَّده بواسعِ فضله وأسبغَ عليه من رحمتِه ما جعل منه مصطفاهُ الذي استحقَّ أن يُبقي عليه خليفةً في الأرض من بعدِما أدى تدخُّلُه الإلهي المباشر إلى فناء قومه هؤلاء، فكان أن نجَّاهُ اللهُ تعالى وأسكنه جنَّتَه التي لم يطُل به المقامُ فيها من بعدِ أن أكلَ من شجرتها التي نهاهُ اللهُ عن الأكل منها فكان أن ردَّه الله فأعاده وأرجعَه إلى الأرض التي أنبته منها ليتسنى لمن شاء من ذريته أن يشرعَ برحلةِ العودة إلى ما كان الإنسانُ عليه في جنة المأوى من “أحسنِ تقويم” وذلك باتباع هَدي الله تعالى صراطاً مستقيماً لا حيودَ عنه إلى مهالكِ الضلالِ والردى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s