الرجل وأقصى المدينة!

يُملي علينا تدبُّرُ القرآنِ العظيم وجوبَ أن نتذوَّق كلماتِ آياتِه الكريمة تذوقاً نهتدي بوساطته إلى تبيُّن دقائقَ ما تنطوي عليه من تصريحٍ وتلميح، عبارةً وإشارة، قد نُخفِق في الإحاطةِ بهما إن نحن مررنا بهذه الكلمات مروراً متعجِّلاً دون أن نُقيِّد تدبُّرَنا هذا بما يقتضيه من تأنٍّ وتروٍّ وتمهُّل. فإذا كان اللهُ تعالى قد أمرَ رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بألا يعجَلَ بالقرآن، فإن علينا نحن أيضاً ألا نعجلَ بتأويلِ آياتِه الكريمة وبما يُغيِّب عنا ما تشتمل عليه من دقيق العبارة ولطيف الإشارة (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (من 114 طه).

وسوف أسوقُ في هذا المنشورِ مثالاً على هذا الذي ينبغي أن نكون عليه في تعاملنا مع القرآن العظيم دقةً في الملاحظة وتلمُّساً لما ينطوي عليه نصُّه الإلهي المقدس من دقائق العبارات ولطائف الإشارات.

لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) (من 20 القصص)، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) (من 20 يس). فقد تجوز على قارئ هاتين الآيتين الكريمتين ملاحظة ما بينهما من خفي التباين فيظن أنَّ بينهما تطابقاً في التعبير يدفعه إلى ذلك هذا التشابه القائم بينهما.

وهذا هو أبعدُ ما يكون عن الحقيقة! ونحن إذا ما أردنا أن نتبيَّن ما يجعل هاتين الآيتين الكريمتين غير متطابقتين في المعنى فإن سبيلنا إلى ذلك يقتضي منا أن نقارن ما بين السياقين اللذين وردتا فيهما: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (20 القصص)، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (20 يس). فسيدنا موسى عليه السلام قد توجَّب عليه أن يخرج من المدينة على عجلٍ وذلك من بعدما حدث له فيها ما حدث، ولذلك قدَّم القرآنُ العظيم مجيء الرجل الذي نصح له بأن يُعجِّل في الخروج منها على ذكر الوجهة التي قدِم منها. قارن ذلك بما كان من أمر “مؤمن يس” الذي حدَّد القرآن العظيم الوجهة التي قدِم منها قبل أن يُتبِع فيذكر أمر مجيئه منها! فمتابعُ قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة القصص أُخبِرَ بمجيء الرجل الناصح قبل تحديد الوجهة التي قَدم منها وذلك حتى يتحقق لديه الإحساسُ بما كان عليه سيدنا موسى عليه السلام من وجل وخوف.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s