مَن الذي أحضرَ الأنفسَ الشُّحَّ؟!

ابتلى اللهُ الإنسانَ فجعلَه يعاني شتى أنواع البلاء. فيكفينا أن نقارنَ بين الإنسان وغيرِه من المخلوقات البايولوجية حتى يتبيَّن لنا هذا الذي هو عليه الإنسانُ من عظيمِ ابتلاء. ولو أن الإنسانَ كان كما يزعم العلمُ الوضعي، صنيعةَ الطبيعة ونتاجَ مسيرةِ تطورٍ ابتدأت بالحيوان وانتهت به، أما كان حالُه ليتماهى مع حال غيره من الحيوانات صفاءَ ذهنٍ وراحةَ بال؟! فلماذا تميَّز الإنسانُ إذاً بكلِّ هذا الذي يجعلُ منه حزيناً تعيساً شقياً شحيحاً ظالماً إن كان هو حقاً كما يظن العلمُ الوضعي ويتوهم؟!
إن عجزَ العلمِ الوضعي عن التعليل للشقاء الإنساني والتعاسة البشرية، ولكلِّ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان، بخلاً وشحاً وحقداً وغلاً وعدواناً ظالماً وخبالاً متنوعاً، لهو الدليلُ والبرهان على فساد مذهب العلم الوضعي في التأصيلِ للإنسان بإرجاع نشوئه وارتقائه إلى ما حدث له مذ كان يمشي على أربعٍ حيواناً ينتمي إلى الطبيعة بكل جوارحِه!

إذاً فهذا الذي يميزُ الإنسانَ عن غيره من المخلوقات البايولوجية هو الدليلُ والبرهان على أن هنالك أصلاً آخر غيرَ ماضيه الحيواني ينبغي علينا أن نقول به حتى يكون بمقدورنا أن نعلّل لكلِّ ذلك الذي يجعل من الإنسان إنساناً: خارجاً على قوانين الطبيعة التي يزعم العلمُ الوضعي أنه ربيبُها وصنيعتُها!

وهذا الذي انتهينا إليه يقتضي منا وجوبَ أن نلتجئ إلى “الرواية الدينية” نستنبؤها بشأنِ ما حدث في ماضي الإنسان السحيق فجعل منه يتمايزُ عن باقي المخلوقات البايولوجية تمايزاً من بين مفرداتِهِ هذا الشُّحُ الذي يتميزُ به الإنسانُ تميُّزاً لا قدرةَ للعلمِ الوضعي على التعليل له بالاستنادِ إلى عقيدته في أصلِ ونشوءِ وتطور وارتقاء الإنسان عن الحيوان. فالإنسانُ، وفقاً لهذه الرواية الدينية، خرج على الطبيعة مراتٍ عدة. ولقد تركَ هذا “الخروج المتكرر” للإنسان على الطبيعة بصماتِهِ وآثارَه عليه بايولوجياً وفسيولوجياً وسايكولوجياً وسوسيولوجياً.

وإذا ما نحن انفردنا بواحدةٍ من هذه الآثار نلاحقُها بالتمحيص والتدقيق، فإن ما سيتكشَّف لنا بشأن أصلِها وفصلِها ومآلات تعامل الإنسانِ معها لهو مما بوسعِه أن يُدلِّل على ما للروايةِ الدينية من عظيمِ قدرةٍ على انتشالنا من حيرتنا وجهالتِنا بشأنِ “الماضي الحقيقي” للإنسان. وهذه المفردة التي سأُلقي الضوءَ عليها في هذا المنشور هي شحُّ نفس الإنسان. فإذا كان القرآن العظيم قد أبانَ عن حقيقةٍ بهذا الشأن مفادها أن النفوسَ البشرية قد أُحضرت الشُّح (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من ١٢٨ النساء)، فإن لنا أن نتساءل عن هوية الذي أحضرَ هذه الأنفسَ هذا الشح. ونحن لا نملكُ إلا أن نجيبَ بأن اللهَ الذي خلق الإنسانَ هو الذي أحضرَ نفسَه الشحَّ فجعله ذلك شحيحَ القلب والفؤاد والعقل والروح والهوى!

وقد يتساءل البعضُ: كيف يُعقل أن يُحضِرَ اللهُ الأنفسَ الشُّحَّ فيجعلُها ذلك مبتلاة بهذا الداء الوبيل دون أن يكون الإنسانُ قد فعلَ ما جعله يستحقُّ ذلك؟! وأحبُّ أن أُذكِّرَ هذا البعض بأن اللهَ تعالى لا ينبغي أن نؤمنَ ببعضِ أسمائه الحسنى ونكفرُ ببعض! فإن كان اللهُ هو النافع، فهو الضارُّ أيضاً. واللهُ تعالى، كما يُخبرنا حديثُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ما أنزلَ من داءٍ إلا وأنزلَ معه الدواء. فإذا كان اللهُ تعالى قد ابتلى الإنسانَ بما جعل منه معتلاً بنفسٍ فاجرة، فإنه قد علَّم هذا الإنسان السبيلَ إلى قهرِ هذه النفس، وبما يُحرِّره من تسلُّطها عليه وتحكُّمها فيه. فاللهُ تعالى زوَّد الإنسانَ بكلِّ ما من شأنه أن يُعينَه على نفسه هذه إن هو قام بـ “تفعيل” هذا الدواء الإلهي، وذلك بانتهاجه المنهاجَ التعبُّدي الذي أنزلَه عليه مع رسُلِه وأنبيائه.

إذاً فإذا كان اللهُ تعالى هو من أحضرَ الأنفسَ الشحَّ، فإنه هو أيضاً مَن ألهم الأنفسَ ما يتوجب عليها القيام به حتى تبرأ من شحِّها هذا. وينسحبُ هذا على كلِّ آثار وبصمات “الماضي الآخر” التي قُدِّرَ للإنسانِ أن يعاني جراءها الأمرَّين إن هو لم يستعن بمنهاجِ اللهِ تعالى وبدوائه الإلهي عليها فيبرأ ويشفى منها ويكون له أن يُحييَه اللهُ حياةً طيبةً في هذه الدنيا، ويخلِّده في جنةِ الآخرة إلى أبد الآبدين!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s