عقلٌ سليم ونفسٌ حَرون!

انتهيتُ في المنشور السابق إلى دحض وتفنيد الظن الشائع بأن العقلَ يَلزمُ عنه بالضرورة وجوبُ الإيمان بالله تعالى! فالعقلُ عند من يذهب هذا المذهب في الظن الواهم والاعتقاد الباطل يكفي حتى يُلزِم صاحبَه بوجوب القول بأن اللهَ حقٌّ وبأنه موجود رغم أنف المشكِّكين والمنكرين والمُلحدين! ولقد بيَّنتُ في المنشور السابق أن العقلَ لا يمكن أن يُحتكَم إليه الاحتكامَ الذي يوجِب على المحتكِم إليه أن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فالعقلُ يشتملُ على أحكامٍ مسبقة وأفكارٍ مغلوطة فلا قدرةَ له والحالُ هذه على أن يَلزمَ الإيمانَ فلا يفارق جادته! فالإيمانُ إرادةٌ قبل أن يكون نِتاج فعالياتٍ عقلية تتقاذفها الأفكارُ التي لا يمكن على الإطلاق الركونُ إليها طالما كان بالإمكان على الدوام أن ينبري لها مَن بمقدوره أن يدحضها ويُفنِّدها أو أن يبذرَ بذورَ الشك في تربتها لتُنبِتَ من بعدُ أفكاراً مضادة قد تستولي على العقل بالتمام والكلية!

وبذلك يتبيَّنُ لنا ألا ضرورةَ حقيقيةً هنالك يتوجَّب على الإنسان بمقتضاها أن يكون مؤمناً لمجرد أنه ذو عقلٍ سليمٍ راجح! فالعقلُ السليمُ الراجح هو لا أكثرَ من قشةٍ في مهبِّ ريح الأفكار التي قد تفاجؤه بعنفوانِ جبروتها المتعارض مع ما يقتضيه الإيمان فينجم عن ذلك ما يجعلُ من العقل مضطراً إلى القول بالشيء ونقيضه في آن!

وإذا كان الإيمانُ لا يلزم بالضرورة عن التفكير العقلاني، فإن للإنسان خاصيةً لا ينبغي أن تغيبَ عن بالِنا، تجعل منه “محصَّناً” ضد هذا الإيمان فلا يستطيعُ بالتالي أن ينالَه فيتمكَّن من قلبه! وما ذلك إلا لأن هذه الخاصية التي تمايز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات البايولوجية هي تحكُّم النفس فيه وتسلُّطُها عليه، وبما يجعلُ منه غيرَ قادرٍ على أن يستجيبَ لما يقضي به العقلُ من وجوب أن يُسلِّم بوجود الله تعالى طالما كان هذا التسليمُ يتعارض مع ما تأمرُ به هذه النفسُ التي لا رغبةَ لها في التخلِّي عن الإنسان الذي سبقَ لها وأن استعبدَته وأخضعته لإرادتها!

إذاً فالإنسان لا ينبغي أن يبالَغ في تقدير مقدرته على الإيمان طالما كان ذا عقلٍ تتنازعُه الأفكارُ المتناقضة، وطالما كان قلبُه قد تمكَّنت منه النفسُ فلا قدرةَ له بالتالي على المخالفةِ عن أمرها إلا بأن يشحذَ إرادته ويستعينَ بعزيمته على التصدِّي لما يتناقضُ مع “إرادة الإيمان” من أفكارٍ تجوبُ عقلَه وأوامرَ تؤكد النفسُ بها أنها المسيطرةُ عليه والمتحكمةُ فيه! فالإنسان إرادةٌ قبل أن يكون عقلاً تتقاذفه الأفكارُ المتصارعة، والإنسان إرادة قبل أن يكون قلباً تتحكمُ فيه النفسُ ويتسلَّطُ عليه الهوى.

إذاً فالإيمانُ يقتضي منك أن تكون ذا إرادةٍ حديديةٍ قبل أن تكون ذا عقلٍ سليم. فبهذه الإرادة يكون بمقدورك أن تضطرَّ عقلَك إلى الثبات على الإيمان، وتُرغم نفسَكَ على الخضوع لإرادتك فتُذعِن تمام الإذعان.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s