ما الذي ووري عن آدم وحواء من سوءاتهما؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

AddText_10-24-05.10.41.JPEG

لولا القرآن العظيم ما كنا لنعلم أبداً أن “ماضينا التطوري” قد اشتمل على صفحاتٍ فُقِد أثرُها فتلاشت في غياهب التاريخ وأصبحت أثراً بعد عين. ومن هذه “الصفحات المفقودة” أن أبانا آدم كان قد وُلِد لأبوين من قومٍ أصابتهم لوثة فأصبحوا جراءها مُعتلِّين بعِلَّةٍ أوجبت عليهم أن يكونوا مفسدين في الأرض يسفكون الدماء. وهذا ما يبيِّنه لنا تدبُّر الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالخليفة هو المستخلَف من قومه من بعد هلاكهم وفنائهم وزوالهم. واللهُ تعالى أخبر ملائكته الكرام عليهم السلام أنهم مأمورون بأن يُبقوا على آدم فلا يكون مصيرُه مصيرَ قومِه إبادةً لا تُبقي على أحدٍ منهم ولا تذر. وهكذا استخلف اللهُ تعالى سيدَنا آدم عليه السلام خليفةً في الأرض من بعد إبادة الملائكة لقومه عن بكرةِ أبيهم.

وإذا ما نحن عدنا إلى تدبر الآية الكريمة 30 البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، فسوف يتبيَّن لنا أن هناك شيئاً ما يخص سيدنا آدم عليه السلام لم تكن الملائكةُ على علمٍ به، وهذا هو الذي جعلهم في حيرةٍ من أمرهم حيال “هذا” الذي أمرهم اللهُ تعالى بأن يُستثنى من الإبادة الجماعية التي حاقت بقومه. وهذا الذي لم تكن الملائكة الكرام على درايةٍ وعلم به هو أن الله تعالى كان قد تدخَّل تدخلاً مباشراً فأصلح، وذلك بنفخته في آدم من روحه تعالى، ما كان قد تضرر من بُنيته جراء تولُّده من صلب وترائب قومٍ يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. ولقد تمخَّض ذلك التدخل الإلهي المباشر بنفخةِ “كن فيكون” عن إصلاحٍ لذاك التضرر الذي تجلى عند قوم آدم إفساداً في الأرض وسفكاً للدماء، وعن “توريةٍ” توارت جراءها مفرداتُ التضرر تلك التي حتَّمت على قوم آدم أن يكونوا كائناتٍ غيرَ طبيعية فحُجِب تأثيرُها وعُطِّلت مفاعيلُه. غير أن أكل آدم من الشجرة التي نهاه اللهُ تعالى عنها أعادَ تفعيل ما كان قد عُطِّل فتسلَّلت إلى بدنه وتغلغلت في جيناته ما حتَّم على سيدنا آدم عليه السلام أن يُبدى له ما كان قد وُوري عنه من سوأته فتبدّى له بدنُهُ عارياً من الشعر الذي كان يغطيه وتجلَّت في جيناته ما سيتجلى لاحقاً عند ذريته تضرراتٍ شتى لعل أبرزها هو هذا “العدوان غير الطبيعي” الذي سيتعيَّن على هذه الذرية أن تعاني جراءه ما تجلى في تاريخنا الإنساني عداواتٍ وحروباً طاحنة على أتفه الأسباب!

ولقد جاءنا قرآنُ الله العظيم بنبأ هذا “التبدِّي” لما “ووري” عن آدم وزوجه من سوءاتهما، وذلك في الآية الكريمة 27 الأعراف (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا). فهذا اللباس ظاهرُه هو ما كان يغطِّي بدن كلاً من آدم وحواء من غطاءٍ شَعري جعلهما سقوطُه المباغت يسارعان إلى تغطيته بما تسنى لهما الوصول إليه من ورق الجنة (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)، وباطنه هو الحجاب الذي فرضه الله تعالى بنفخة “كن فيكون” على “مفاعيل التضرر” التي فعلت في قوم آدم فعلها فحتَّمت عليهم أن يفسدوا في الأرض ويسفكوا الدماء.

وبذلك أتاح زوالُ ما كان يتكفلُ بـ “مواراة” تلك المفاعيل أن تعود (هذه المفاعيل) فتفعلَ فعلَها الذي حتَّم على آدم وحواء أن يُخرجا من الجنة ويُعادا إلى كوكب الأرض الذي سيتعيِّن عليه أن يعاني الأمرَّين جراء ذلك، وذلك بسببٍ من تفشِّي هذا التضرر وتجلِّيه عداوةً بَينيةً بين بني آدم، وخبالاً مستعراً أخذنا نلمَس لمسَ اليقين آثارَه احتباساً حرارياً وتغيراً مناخياً وتلوثاً بيئياً ونذُراً تُنبئ بزوالٍ قريب لهذا الكوكب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s