الإنسان… السوبرمان النائم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

سوبرمان

كنت في المرحلة الثالثة الابتدائية عندما عرَّفني زميل لي في المدرسة على مجلة “سوبرمان”. ولقد تأثرت بها أبلغ التأثُّر، ولم أكن في هذا بدعاً، إذ أن غالبية الأطفال من الذكور كانت تستهويهم شخصية سوبرمان، وذلك لما انطوت عليه من قدرات خارقة. ولقد ظلت هذه الفكرة التي نُسجت حولها تلك القصص المصوَّرة تُلح عليَّ في الظهور في مُدد متفرقة من حياتي بتجليات مختلفة. ولم تكن عندي أية أفكار بشأن قدرات الإنسان الخارقة طيلة سنوات صباي غير ما كان متوافَقاً عليه من أن الإنسان بمقدوره أن يصبح ذا قدرات خارقة لهذا السبب أو ذاك من الأسباب التي بوسعها أن تُظهِر هذه القدرات الكامنة فيه. إلا أنني أعرضت عن هذا الإجماع، وذلك عندما تبيَّن لي لاحقاً أن الإنسان لا يمكن له أن يكون رجلاً خارقاً، كسوبرمان، وذلك لأسبابٍ ذات صلةٍ بخِلقَته التي حتَّمت عليه أن يكون ضعيفاً وذا طاقةٍ فيزيائيةٍ محدودة لا يمكن لها، تحت أي ظرف، أن تبلغ شأواً كذاك الذي يتجلى في أفعال سوبرمان الخارقة.
غير أنني، وفي الوقت عينه، اهتديتُ إلى سيناريو آخر بوسعه أن يجعل الإنسان رجلاً خارقاً كسوبرمان، إذا ما هو تمكَّن، بطريقةٍ ما، من رفد طاقته المحدودة بمصدر طاقي أعظم منه طاقة. وهكذا، كان أن وجدتُ في القرآن العظيم ما يمكن أن يقدِّم أمثلةً على ما بوسع الإنسان أن يكون عليه من “قدرات خارقة للمألوف”، وذلك إذا ما أصبح عبداً لله كاملاً. فعبودية الإنسان الكاملة لله تعالى لها أن تجعله يحظى بتأييدٍ إلهي وإفضالٍ رباني لهما أن يتجليا عليه وبما يجعله في عين الناظر إليه يبدو كما لو أنه رجلٌ خارقٌ كسوبرمان. وما المعجزات التي منَّ اللهُ تعالى بها على خاصة خلْقه من الأنبياء والمرسلين إلا أمثلةً لها أن تبيِّن ما بوسع العبودية المطلقة لله تعالى أن تُصيِّر الإنسان بهذا الذي سيغدو عليه بهذا التأييد الإلهي المتجلِّي فيها. وكان أن وجدتُ في التصوف ما عزَّز هذا التخريج لدي، وذلك لما احتواه من مئات الأمثلة على ما بوسع الإنسان المحقِّق للعبودية المطلقة لله تعالى أن يحظى به من إكرامٍ رباني يتجلى كراماتٍ لها أن تجعل منه يبدو في عين الناظر إليه إنساناً خارقاً كسوبرمان.
إن الإنسان هو بحق سوبرمان نائم، وذلك ليس كما يتوهم مؤلِّهوه الذين بالغوا في تعظيم مكمون ما انطوى عليه هذا الإنسان من طاقات وقدرات خارقة، ولكن كما تقول به معجزات الأنبياء عليهم السلام في القرآن العظيم، وكما تنطق به كرامات الأولياء في التصوف. إن الطريق إلى إيقاظ هذا السوبرمان داخلاً منك هو بتحقيقك العبودية الكاملة المطلقة لله تعالى تحقيقاً يجعلك محل إكرام وإفضال الله تعالى، وبما يتجلى عليك خوارقَ عادات تجعلك في عين الناظر إليك تبدو أعظم من ذاك الرجل الخارق سوبرمان.
والعبرة هنا ليست أنك تتوسَّل العبودية هذه لتصير بها رجلاً خارقاً كسوبرمان، فهذا مطلب الحمقى والجُهّال. العبرةُ هي أن تحقق ما خُلقت لأجله فتكون عبداً لله كما أرادك أن تكون دون أن يخالجك مطمعٌ في هذه القدرة أو تلك. فإذا ما أنعم اللهُ تعالى عليك، فليس لك عندها غير أن تقول ما قاله مَن منَّ اللهُ تعالى عليه قبلك (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s