التصوف موقفٌ إيجابي من الحياة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تعلمتُ، من بين كثيرٍ مما تعلمتُ، من أستاذي الشيخ محمد المحمد الكسنزان قدّس الله سره العزيز، أن خير الناس أنفعهم للناس؛ وهذا ما تعلَّمه هو بدوره من حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى رحمةً للناس. وأنت إذا ما وضعتَ هذه الحكمة البالغة نصب عينك، فلك أن تعيشَ وتحيا هذه الحياة الدنيا بإيجابيةٍ تُحسد عليها. فما عادَ عليك انكبابك على ذاتك، وانشغالك بنفسك، إلا بهذا الذي آل إليه أمرك من اكتئابٍ حاد وانزواءٍ عن الآخرين بوجدانك، وإن كنتَ متواجداً معهم ببدنك. فالأصل أننا خُلقنا لعبادته تعالى. والعبادةُ لا استقامةَ عليها إلا بأن تكونَ صنو الإيمان وهويته وتعريفه. وللإيمان شُعَب منها هذا الذي يجعلك ذا نفعٍ للناس لا ترتجي من ورائه جزاءً ولا شكورا. فأنت إذ تسعى لتكون عابداً متحلياً بهذا الإيمان، فعليك بدءاً أن تطَّرح عنك ما جُبلت عليه من شُحٍّ وبُخلٍ يجعلناك تفكر ألف مرة قبل أن تمد إلى غيرك يد العون والمساعدة مادمتَ لستَ واثقاً من أن مردود الأمر عائدٌ عليك بالنفع الجزيل. إن هذا الإصرار منك على الدوران في فَلَك نفسك، بحجة أن الآخرين كلاً ينوحُ على ليلاه وكلاً يريد الخير كله لنفسه، لن يجعلك في حالٍ أفضل مما أنت عليه. جرِّب، ولو مرة، أن تكون كريماً غير شحيح، معطاءً بلا تطلُّعٍ إلى المردود، وانظر بعدها ماذا ستجني وكيف سيخلِّف هذا الفعل الخيِّر والعمل الصالح فيك من أثرٍ يتضاعف أضعافاً كثيرة إذا انطلق مصحوباً بإيمانٍ بالله واليوم الآخر.

التصوف موقف إيجابي من الحياة الدنيا لأنه إذ ينظر إليها، فإنه يراها لا كما هي واقعاً محدوداً بمكان وزمان، ولكنه ينظر إليها بعينٍ تراها على حقيقتها مادامت هذه العين تستنير بنور الآخرة؛ هذا النور الذي وحده بوسعه أن يضيء دنياك لتراها كما خُلقت لتراها، لا كما يُخيَّل إليك أنك تراها.

التصوف يجعلك ذا موقفٍ إيجابي من كل ما يعرض لك مادمت موقناً بأنك، وكل هذا الذي يحيط بك، بأمرة الله تعالى المتحكم في كل مفردةٍ من مفردات هذا الوجود. فهو الحاضرُ دائماً، الناظرُ أبداً، فكيف تنظرُ إلى سواه بغير العين التي بنوره تعالى لك أن ترى فتتبيّن ما هو حق وما هو باطل؟

أنظر إلى الدنيا بعينٍ تخاف الآخرة، لتراها موطناً يستدعي منك عمل الخير بلا طمعٍ في أجر غير ذاك الذي وعدك مَن أنارَ لك دربك بتجلِّيه الرحيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s